السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

خدعة الحنين...

يا محمد،
لست على حق،لا، حنينك إلى زمن ومكان سابقين جميل للذكرى وليس شرطاً رائعاً لتعود اليهما.
الزمن يعبر ولا يبقى حتى لو حافظ المكان على حاله،لو عدت ستجد الشوارع والبيوت وربما الأشجار إنما لن تجد زمانك.
زمانك إن غادرته لا ينتظرك ابداً.
لا ينتظر احداً .
جميلٌ أن يراودك الحنين إنما لا تجعله يخدعك بأن تحاول العودة .
ما عاد احد الا و وجد وهمه امامه يبكي ويرجوه ان يعود من حيث أتى لأن من كان هنا اختفى او هرم او مثلك في يوم ما رحل ولم يعد.
يشعر المريض في المستشفى انّ اجله قد اقترب لذلك يطالب عائلته ان يعود إلى البيت حيثما كان وعاش في صحة أفضل ظنّا منه انه سيكون في بيته بحال افضل من ناحية ومن ناحية أخرى لأنّه يشعر ان موته على سريره في بيته الذي اعتاد عليه أكثر دفئاً وحناناً وأماناً.
الإنسان يربط بين وقت سعادته مع المكان والزمان والذكريات اللطيفة.
وانت يا محمد لن تعود لزمانك ابداً فاحرص على العمر الذي أنت فيه.
حتى لو تواعدت مع كل رفاقك ان تعود الى المقاهي فإنّك ستدرك بعد ساعة من زمن اللقاء ان على كل واحد منكم ان يعود من حيث أتى لأن السبب الذي جعلكم تغادرون لم يتغيّر.
كنت محقاً عندما غادرت.
الحنين طبيب جرّاح تجميل ماهر يجمّل لك كل ذكرياتك ويخفي حتى ندبات الوجع والعذاب.
لا تصدّق الطبيب دائما،مهمّته أحياناً ان يكذب عليك لتصمد.
الحنين نفسه يُلزم مهاجراً أمضى اكثر من عشرين او ثلاثين سنة في الغربة ان يوصي أولاده بدفنه في قرية بائسة هرب منها شابا انما قرب ضريح أمّه وابيه واخوته لأنّ الحنين للعائله الأولى قاهر،لأن العائلة الأولى كانت تضمن الحماية والفرح وكانت وذاك هو الاهمّ كانت العائلة الأولى ترعى الدهشة وتصفق عند النجاح.
حنين ودهشة هذا كل ما في الأمر.
عشت كل طفولتك وصباك بإنتظار كلمة تهنئة ولو بالفرنسية ككلمة”برافو” او “احسنت” وأنت وكأنّك يا محمد تفتقد تلك أل “برافو” من والديك .
مذ ما عدت تسمع برافو او احسنت من أهلك صار قلبك أقسى.
زوجتك بخيلة عليك بالاطراء رغم تعبك .
أتعلم لماذا؟
لأنها هي بحاجة للبرافو اكثر منك.
أتعلم يا محمد؟
اليوم خطبة الجمعة والشيخ يصدح صوته عبر مكبّر للصوت يحذرنا ان لا مكان ولا زمان يحددان حدود لله.
كيف اقسم له اننا في كل المنطقة نوافقه الرأي؟
ليست المشكلة هنا،المسألة انّه يكرر محتوى خطبته منذ سنوات طويلة والمؤمنين هم أنفسهم لم يتغيروا.
انا هنا صرت اشتاق لصوته .
خدعة الحنين.
الحنين ان تتذكر وان تبتسم لا ان تحاول أن تعود.
لا تعد!
لا تعد يا محمد،
زمانك تغيّر.
حتى التي كنت تحبها إن عدت ربما ستجدها الا انّك ستشعر انها ليست التي كنت تحبها انما صبية أخرى اعتادت غيابك…
يا محمد،
تذكر ولا تعد ففي العودة خيبة وألم ونهاية سيئة لحكاية كانت تجعلك تبتسم والابتسامات اليوم قليلة.
صحيح،انت محقّ، عد الى والديك في ايامهما الأخيرة وهذا ليس حنين فقط إنما حب و وفاء و واجب.
اقول كلامي هذا واستغفر الله لي ولكم.
والله اعلم.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...