كنت أتابع وأرصد يوميا تصريحات المسؤولين الأمنيين الإيرانيين والنخب السياسية، سواء عبر الإعلام أو ما يتم تسريبه من ملخصات قليلة عن الندوات المغلقة التي تجري في ايران ، لا سيما ما يتعلق بطبيعة وحجم الاختراق الاستخباري الإسرائيلي لإيران، في محاولة لفهم ماهيته ومستواه ومساراته.
ومع كل تصريح جديد، تزداد الصورة وضوحاً حول عمق “الحرب الخفية” التي تُدار داخل بنية الدولة التقنية، بعيداً عن الضجيج العسكري التقليدي، وما حدث في حرب يونيو حزيران من هذا العام .
في هذا السياق، جاء اعتراف رئيس منظمة الدفاع السلبي الايراني العميد غلام رضا جلالي فراهاني ، باكتشاف فيروس مزروع داخل كاميرات مستوردة تقوم بإرسال الصور إلى «جهاز استخبارات عدو»، ليكشف – ببساطته – عن أحد أخطر مظاهر التسلل الإلكتروني.
فالاعتراف بدا أولاً وكأنه كشف محدود، لكنه في الحقيقة نافذة على نظام اختراق واسع، يقوم على زرع الفيروسات داخل المعدات القادمة من الخارج، واستغلال القرارات المركزية التي ربطت كاميرات مؤسسات الدولة بشبكات موحدة، ما سهّل فتح منفذ مباشر وعملية تسلل داخل البنى الحساسة.
التجربة الإيرانية أوضحت كيف يمكن لكاميرات يفترض أنها لاستخدام داخلي، أن تتحول إلى قناة مفتوحة أمام خصم خارجي قادر على مراقبة قيادات أمنية وعسكرية ونخب سياسية وعلماء نوويين، وتتبّع تحركاتهم حتى بعد تغيير أماكن إقامتهم.
هذا الاعتراف أثار فضولي بدرجة كبيرة ،لأنه كشف أن العملية لم تكن ضربة واحدة، بل نتاج مسار طويل من “التسلل التقني الهادئ” عبر سلاسل التوريد غير المحصنة أمنيا ، وبرمجيات تحديث تأتي من الخارج، وربط مركزي خطير جعل من اختراق نقطة واحدة اختراقاً للشبكة كلها.
هذا النموذج لا يبعد كثيراً عن واقع الدول العربية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على أجهزة مستوردة وأنظمة تشغيل أجنبية، وتربط مؤسساتها – مدنية وعسكرية – ببنى رقمية واحدة. وهنا يصبح خطر “تسميم الأجهزة بفيروس الكتروني معقد ” أكثر حضوراً، لأن أي شريحة إلكترونية مزروعة أو تعديل صغير في برنامج تشغيل قد يفتح ثغرة لدخول واسع.
التجربة الإيرانية درس مباشر حول كيف يمكن ان يتحول خطأ إداري أو قرار تنظيمي او عميل مزروع ..إلى بوابة خلفية يدخل منها الخصم لقراءة حركة الدولة ورصدها من الداخل على مدار الساعة .
وإذا كان الاختراق في إيران طال منظومة مراقبة مدنية، فإن الدروس الاستخبارية العربية تشير إلى أن الخطر يصبح مضاعفاً، عندما يصل التسلل إلى المؤسسات العسكرية.
فالمعركة الحديثة لا تستهدف جندياً على الحدود، بل تستهدف “البنية الرقمية والفنية ” للجيوش: خط إنتاج طائرة مسيّرة، برنامج توجيه صاروخي، منظومة دفاع جوي، أو خادم بيانات ينسّق بين بطاريات الرادار.
أي ثغرة داخل لوحة إلكترونية أو قطعة اتصال عسكرية مستوردة ،يمكن أن تمنح “إسرائيل” قدرة على تعطيل منظومة حساسة في لحظة حاسمة، أو تتبع البرامج التشغيلية لمشاريع الطائرات المسيّرة التي تطورها بعض الدول العربية، أو فهم بصمة تشغيل أنظمة الصواريخ وهو ما كنت ارصده اثناء المناورات الايرانية التي كانت تنطلق فيها الصواريخ وتدمر هي نفسها سفناً ايرانية عسكرية مأهولة وينسب الفاعل لاخطاء بشرية ،،والكثير الكثير غيرها خصوصاً تجارب البرنامج الفضائي الايراني .
وتكرار سيناريو إيران عربيّاً ليس مستبعداً، إذ قد يمتد التسلل – في حال ضعف الفحص الأمني – إلى أنظمة الاتصالات العسكرية، خرائط الطيران، شبكات التحكم، أو البيانات الحكومية التي تُدار من الخارج.
وأخطر ما كشفته الاعترافات الإيرانية هو أن كاميرات جهات حساسة مثل وزارة الأمن ووكالة الطاقة الذرية كانت مرتبطة بمنظومة واحدة، ما أتاح اختراقاً شمل أجهزة كان يُفترض أن تكون محصنة بالكامل.
ويمكن تخيّل حجم الكارثة لو حدث الأمر ذاته في بلد عربي يربط منظومات الدفاع والاتصالات ومراكز القيادة والتحكّم بالخادم المركزي نفسه !!
وتتوسع خطورة الاختراق عندما يمتدّ إلى المؤسسات المدنية الحساسة التي تُعد مخزوناً استراتيجياً للمعلومات: الأحوال المدنية، الجوازات، القيود الشخصية، أنظمة الضمان الاجتماعي، التأمين الصحي، المستشفيات، الفنادق، وشبكات الاتصالات. هذه ليست مجرد سجلات؛ بل خرائط بشرية للمجتمعات وبُنى سلوكها.
اختراق قاعدة بيانات الجوازات مثلاً يكشف حركة سفر المسؤولين وعلاقاتها بقرارات سياسية. اختراق أنظمة الفنادق يكشف اجتماعات غير معلنة ومسارات شخصيات حساسة. أما السجلات الصحية فتقدّم معلومات عن الأمراض، الضغوط، نقاط الضعف، ومجالات التأثير أو الابتزاز المحتمل للنخب المختلفة .
ويلحق ذلك بالاتصالات الوطنية، التي تتحول عند اختراقها إلى “أذن متقدمة” تلتقط المكالمات، الرسائل، مسارات الهواتف ومواقع الاشخاص اللذين يستخدمونها على مدار الساعة ، وحتى أنماط التحرك اليومي.
أي تلاعب في معدات الأبراج أو خوادم “الإنترنت” قد يفتح قناة خفية لتوجيه البيانات أو اعتراضها من دون أن يشعر بها أحد.
وإذا استطاعت “إسرائيل” – وفق الاعترافات الايرانية – مراقبة قيادات إيرانية عبر كاميرات بسيطة، فكيف سيكون حجم المعلومات لو امتد التسلل إلى أبراج الاتصالات أو خوادم “الإنترنت”؟.
إن الحالة الإيرانية تقدّم للدول العربية دروساً قاسية وواضحة: أن الخطر الأكبر ليس في الجيوش المعادية، بل في البرج الإلكتروني الصغير داخل جهاز يبدو عادياً. وأن الأمن السيبراني لم يعد مهمة تقنية، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي.
وأن كل مؤسسة – عسكرية كانت أو مدنية – هي هدف محتمل في منظومة صراع جديد تُحسم فيه المعارك قبل إطلاق أي صاروخ…
لهذا ووفق هذه التطورات ، وجب ان من يقود اي جهاز مخابرات عربي مستقبلا ينبغي ان يكون من ذوي الخلفيات الفنية .
لهذا يصبح من الضروري إعادة النظر جذرياً في سياسات الاستيراد، آليات الفحص، التحديثات البرمجية، الربط المركزي، والعقود التقنية مع الشركات الأجنبية، فالدول التي لا تُحصّن برمجياتها ستفتح دون قصد باباً لتسريب أسرارها الكبرى…. من خلال كاميرا لا يتجاوز ثمنها بضع مئات من الدولارات.


