في لبنان، لم تعد الكوارث استثناءً، بل أصبحت قاعدة. نصحو كلّ يومٍ على انهيار مبنى، وسقوط ضحايا أبرياء، وضحايا الفقر والإهمال، فيما الدولة غائبة، والسلطة تتفرّج، والمحاسبة مفقودة.
شعبٌ كُتِب عليه أن يولد بالقهر، ويعيش بالحرمان، وينتظر موته تحت الركام. مبانٍ متهالكة، من دون صيانة، او رقابة، او خطط إنقاذ. بلديات عاجزة، وزارات نائمة، وإدارات لا ترى في المواطن سوى رقمٍاً في سجلّ الإهمال.
في كلّ كارثة، لا ينهار الحجر فقط، بل تنهار معه هيبة الدولة، وكرامة الإنسان، وثقة الناس بأيّ مسؤول. ومع ذلك، لا يُسأل أحد، ولا يُحاسَب أحد، وكأنّ أرواح اللبنانيين من دون قيمة.
الأخطر من الإهمال نفسه، هو استغلال المآسي. مسؤولون يتهافتون إلى مواقع الكوارث لالتقاط الصور، لا لإنقاذ الناس، بل لتسجيل مكاسب انتخابية فوق دماء الفقراء. يتحوّل الألم إلى دعاية، وتتحوّل الجثث إلى خلفية إعلامية رخيصة.
لو كنتُ وزيراً، أو نائباً، أو مسؤولاً في هذه الدولة، لكنتُ قدّمتُ استقالتي منذ زمن. لا هروباً من المسؤولية، بل احتراماً لها. لأنّ البقاء في موقعٍ عاجز عن حماية الناس هو مشاركة في الجريمة. ولأنّ الصمت أمام الموت خيانة.
في الدول التي تحترم نفسها، تُسقِط الأخطاءُ الحكومات، ويُسقِط التقصيرُ الوزراء. أمّا في لبنان، فالفشل يُكافأ، والإهمال يُغطّى، والفساد يُحصَّن.
آلاف الأبنية المهترئة المنتشرة على كامل الأراضي اللبنانية هي قنابل موقوتة. كلّ بيتٍ قد يكون كارثة مؤجّلة، وكلّ عائلة ضحية محتملة. والسؤال المرعب: من التالي؟
ما يجري ليس قدراً، بل نتيجة نظام فاسد، وإدارة فاشلة، وغياب كامل للمحاسبة. لو كانت هناك دولة حقيقية، لكانت أجرت مسحاً شاملاً، وفرضت الترميم، وأخلت الأبنية المهدَّدة، وحمت الناس قبل فوات الأوان.
لكن في لبنان، يُترك المواطن لمصيره… ثم يُنعى بعد موته.
هذه ليست مأساة عابرة، بل جريمة مستمرّة بحق شعبٍ كامل. جريمة اسمها: دولة بلا مسؤولية، وسلطة بلا ضمير.


