السبت، 7 مارس 2026
بيروت
13°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

سلامٌ مع إسرائيل؟ سادة الكيان المنقسم، ابدأوا بالسلام مع أنفسكم

أطلّ عيد الاستقلال هذا العام كأنه ساعة تقف بين زمنين: زمنٌ لبنانيٌّ خائب ضيّع خمسين عامًا في الشقاق والتجارب الفاشلة، وزمنٌ آخر يعدُ بأن يكون أفضل إن امتلك اللبنانيون شجاعة الولادة من جديد.
لكنّ الحدّ الفاصل بين الماضي والمستقبل لا يُرسم في الخطابات، بل يُرسم في الوقائع. وواقعة الأمس كانت دامغة: اغتيال أبو علي الطبطبائي—ذلك “البطل” الذي لطالما تحرّك على حافة الهاوية—هو الدليل القاطع على أنّ لبنان كلّه يعيش فوق خطّ زلازل سياسي وأمني لا يسمح برفاهية الكلام ولا بفخامة الأوهام.
وبينما ترتفع أصواتٌ في السلطة تُكثر الكلام على “السلام” مع إسرائيل، ينسى الجميع القاعدة التي لا ترحم:
لا تبحثوا عن سلام خارجي قبل أن تبنوا سلامًا داخليًا.
لا تفاوضوا عدوًّا وأنتم مختلفون على تعريف الدولة.
ولا تُحدّثوا العالم عن الاستقرار وأنتم عاجزون عن تأمين الاستقرار بينكم.
. يُكثر المسؤولون عندنا من الحديث عن “السلام” وكأنّه سلعةٌ تُشترى من سوق الأمم، أو قرارٌ يُنتج في غرف مغلقة وراء الحدود. يتقدّم بعضهم إلى المنابر ليعلن أنّ الطريق إلى الاستقرار يمر عبر معاهدة، أو تفاهم، أو ضمانة دولية، بينما هو غافل— أو يتغافل—عن أنّ الدولة التي لا تستطيع أن تُقيم سلامًا داخل بيوتها وحاراتها وأحزابها، لن تنجح في عقد سلام مع أحد، لا قريب ولا بعيد.
رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء والحكومة، وكتلة كبيرة من النواب… كلّهم يرفعون شعار الدولة. لكن لا يكفي تكرار العودة إلى الدولة الآن ما دام هذا المجتمع لم يعش يومًا في ظلّ دولة طبيعية. الدولة التي تهتزّ عند تشكيل الحكومة، وتتعثّر عند تعيين حارس ليلي، وتتهاوى عند كل أزمة كهرباء أو قضاء، بأي منطق تستطيع أن تضع توقيعها على خرائط الحدود؟
يُكثر مسؤولونا من ترداد معزوفة السلام. رئيس الجمهورية، الحكومة، نواب الأمة… الجميع يتحدث عن “الاستقرار” واتفاقيات الغد، وكأن السلام يُؤخذ بالتصريحات أو يُباع في أسواق العواصم. في ذكرى الاستقلال يرتفع الكلام، ينخفض العقل، ويُعاد تدوير الوهم ذاته: أن لبنان قادر على عقد سلام خارجي فيما هو عاجز عن حماية سلامه الداخلي، بل عاجز حتى عن تعريفه.
هذه هي الحقيقة العارية التي يهرب منها كثيرون: لا تُفتّشوا عن سلامٍ مع إسرائيل قبل أن تُقيموا سلامًا بين اللبنانيين أنفسهم. هذه ليست نصيحة شاعر، ولا حكمة ناسك، بل خلاصة تجربة بلدٍ أمضى نصف قرن يُدخل العالم في بيته بدل أن يُرتّب بيته قبل أن يُحادث العالم. الدولة ليست كلمة تُلقى في العيد، بل عقدٌ يُصاغ، وواجبٌ يُؤدّى، وخطةٌ تُعرض على المواطن لا تُخبّأ عنه.
أي كلام عن سلام خارجي قبل ترميم الداخل، هو هروب جديد، لا يليق ببلدٍ أثقلته الهزائم الصغيرة حتى صارت الهزيمة الكبرى مجرّد تفصيل.
وواجب العهد والحكومة اليوم ليس أن يُذكّروا المواطن بضرورة العودة إلى الدولة—فالمواطن لم يترك الدولة، بل الدولة هي التي تركته—بل أن يُشركوه في خطة بناء الدولة:
ما شكلها؟
ما مؤسّساتها؟
ما حدود دورها ودور سلاحها؟
ما ميثاقها العصري الذي يُعيد تعريف علاقتها بالمواطن؟
هذا هو “ميثاق لبنان الجديد” كما يحلم به اللبنانيون منذ ثلاثة أجيال: دولة قانون واضحة، مُحدَّدة، لا تخون مواطنيها ولا تتخلى عن حقوقهم.
السلام الداخلي ليس بندًا إضافيًا على جدول الأعمال، بل هو الشرط الأول لكل شيء: للسيادة، وللاقتصاد، وللحدود، وللمقاومة نفسها. من دونه يبقى البلد نهرًا يجرف كلّ ما يوضع في مساره: الحكومات، المبادرات، والاتفاقات.
لبنان لا يحتاج إلى مؤتمر دولي جديد، بل يحتاج إلى مؤتمر واحد يقام تحت سماء بيروت: مؤتمر اللبنانيين مع أنفسهم، لا مع أحد آخر. عندما يتفق الداخل، يصبح الخارج تفصيلًا. وعندما ينكسر الداخل، يصبح الخارج قدرًا.
وهذا يعني أن تجديد بيتنا الداخلي ليس مجرد ضرورة محلية، بل هو ضرورة مصيرية للبقاء في عالم تنوء أرجاؤه بالمخاطر الكبرى. فإذا كنا ضعفاء ومنقسمين، فإننا نغري الآخرين بالتدخل ونعرّض أنفسنا للازدراء. أما إذا كنا أقوياء موحَّدين معتمدين على أنفسنا، فسنحظى بالاحترام والدعم. إن المشهد الدولي لا يرحم: فالأوبئة العالمية والصدمات الاقتصادية والتغير المناخي والصراعات الجيوسياسية لن تنتظرنا حتى نلتقط أنفاسنا.
والكلام إلى حزب الله لا يحتاج إلى مخابئ لغوية:
مواجهة إسرائيل لا تُبنى على بطولة فرد، ولا على اغتيالٍ يستنفر الغضب ليلًا ويهدأ نهارًا.
المقاومة بلا دولة إجماع، وبلا سلم أهلي واضح، تبقى مقاومة مُعلّقة في الهواء، مهما كانت بطولاتها. وسلاح بلا إجماعٍ وطني يشبه درعًا مثقوبة لا حماية فيها ولا كرامة.
المقاومة التي لا تُعيد وصل ما انقطع بين اللبنانيين، تفقد عمقها، وتُضيّع رسالتها التاريخية.
لا تبحث عن مواجهة جديدة إن لم تكن قد وقّعت، وبالخمسة، عقد السلم الداخلي مع كل القوى السياسية، ومع الدولة نفسها، ومع اللبنانيين الذين يريدون أن يعرفوا إلى أين يأخذهم السلاح وإلى أين يأخذهم التفاوض.
عيد الاستقلال ليس مناسبة للبكاء، بل مناسبة للاعتراف بالخسائر:
خسرنا دولة لم تُبنَ يومًا، واقتصادًا لم يُقام يومًا، وسيادةً تاهت بين الميليشيا والفراغ، ومواطنةً تهشّمت تحت أقدام الأزمات.
لكننا لم نخسر بعد ما يجعل لبنان يستحق أن يُنقذ: نخبةٌ تقاتل بالفكر، مواطنون يعرفون حدود الذلّ ولا يقبلونه، ومقاومة تملك القوة لكنها لم تُكمّل بعد شروط الشرعية الوطنية. هذه عناصرُ المستقبل إن قرر أصحابها أن يرتّبوا أولوياتهم.
لقد دارت دوّامة الخداع في وطننا دورةً كاملة. سعى كل مكوّن من مكوّناتنا، في مرحلة من المراحل، إلى أجندته الخاصة الضيقة، باحثًا عن رعاة خارجيين ومكاسب على حساب الوحدة الوطنية. وظنّ كل منهم، أن رعاته الأجانب أو مصالحه الطائفية ستحميه وتقصي الآخرين. لكن الدرس القاسي من تاريخنا هو أن هذه الحسابات بنيت على الأوهام. إن وضع الفئة فوق الوطن خلق دوامةً من الخداع ارتدت في النهاية على الجميع.
لقد ذاق الجميع مرارة التخلّي في ساعة الحاجة. واكتشفت كل جماعة، واحدةً تلو الأخرى، أنه عندما تتبدّل مصالح الراعي الخارجي الذي اعتمدت عليه، يُترك لبنان ليواجه مصيره وحده. وكل مجموعة شعرت يومًا بالأمان في زاويتها المنعزلة، أحسّت الآن بلسعة الخذلان.
أما النتيجة؟ لبنان جريح وضعيف، مثقلٌ برضوض الخذلان المتكرر والفرص الضائعة.
و هكذا يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن يبقى راكضًا على حافة الهاوية مثل” بطله” المقتول…
وإمّا أن يقف، يلتفت إلى الداخل، ويبدأ برسم قواعد الدولة التي لم يحظَ بها يومًا.
والاستقلال الحقيقي، في هذه اللحظة بالذات، هو أن نختار الخيار الثاني:
الدولة قبل السلاح، السلم الأهلي قبل المعارك، خطة البناء قبل الشعارات، ومواطن شريك قبل أن يكون “بيئة حاضنة” لأي زعيم أو حزب أو طائفة.
دولة تجمع اللبنانيين حول مشروع، لا حول خوف.
دولة تصنع سلامًا داخليًا قادرًا أن يحمل على كتفيه أي مواجهة وأي تفاوض.
هكذا فقط ينتصر لبنان مستقبلًا انتصارًا حضاريًا على ماضٍ خائب وعلى عدوّ جائر، وهكذا فقط يستحق عيد الاستقلال أن يُسمّى استقلالًا./ جميل كامل مروة
شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...