السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

شهادة للتاريخ بحق الراحل غسان كنفاني ...هكذا عرفته

في صباح يوم الثامن من شهر تموز عام 1972، انفجرت قنبلة بسيارة الكاتب المبدع والسياسي الفلسطيني غسان كنفاني، مما أدى إلى وفاته على الفور عن عمر ستة وثلاثين عاما ًوهو في أوج عطائه لقضيته الفلسطينية. عرفته عن قرب مخلصاً لشعبه ولقضيته ولأصدقائه ومعارفه والمقربين منه بشكل عام، لأن الوفاء كان صفة مميزة فيه، يتحدث عنها كل من عرفه. تعرفت على الراحل كنفاني في منتصف سنوات الستينات. في كل مرة كنت ألتقي الراحل فيها، كانت بمثابة محاضرة في السياسة والإعلام. فقد تعلمت منه كيفية زرع الإخلاص للوطن في عقول القراء، وتعلمت منه كيفية حفظ تاريخنا عن ظهر قلب، وتعلمت منه أيضاً أن الفلسطيني الذي لا يعمل من أجل فلسطينيته هو ناقص الفلسطينية. وقد قال لي ذات يوم وأنا في مكتبه، ولا يمكن أن أنسى ذلك: ” خلي فلسطين دائما في عقلك وقلبك

كان مكتب الراحل غسان كنفاني يقع في بناية على كورنيش المزرعة في بيروت، حيث كانت مكاتب مجلة “الهدف” التي كان الراحل رئيس التحرير فيها. كان مكتبه في غاية التواضع وأقل من عادي قياساً بالمكاتب الفخمة لرؤساء تحرير الصحف اللبنانية، لأنه لم يهتم بالمظهر إنما بالجوهر. كانت جدران مكتبه تزينها ملصقات ورسومات سياسية رسمها بنفسه وخريطة لفلسطين.

كان كل حرف خطه الراحل يزعج “إسرائيل”، التي أدرك قادتها أن كتابات الراحل تستطيع أن تصنع جيلاً ثورياً قادراً على التغيير، فأرادت التخلص منه. وفي عام 2005، أي بعد مرور 33 عاما على تنفيذ الجريمة، اعترفت إسرائيل بمسؤوليتها عن العملية ، وقالت أن عناصر من جهاز الموساد زرعوا عبوة ناسفة في سيارة كنفاني. وقد جاء على لسان الجنرال أهارون ياريف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي،”آمان” في مقابلة أجرتها معه الإذاعة البريطانية في العام 1993، أنه كان يتلقى أوامره مباشرة في أوائل السبعينات، من رئيسة الوزراء آنذاك “غولدا مائير”، بملاحقة واغتيال شخصيات فلسطينية منتقاة أينما وُجدوا، وبالطرق التي يراها “الموساد” مناسبة.

كان الراحل غسان كنفاني أول من كتب عن شعراء الداخل الفلسطيني، وأطلق عليهم لقب “شعراء المقاومة”، وكان كثير الكتابة عنهم لتعريف فلسطينيي الشتات بهم، وهو الذي سمى شعرهم “شعر المقاومة”. لقد جمع الراحل غسان بين النضال والصحافة والكتابة والفن، فكان إعلامياً وروائياً وكاتب قصة وناقداً ومسرحياً ورساماً وسياسياً. لاحظت ذات مرة عندما كنت في مكتبه، انه يحمل مسدسا صغيراً، فسألته عما إذا كان هذا المسدس يحميه من الأعداء. فأجابني مع ابتسامة المناضل المؤمن بقضيته وبوطنه: “الله وحده الحامي يا أحمد، وأنا عندي إحساس بأن موتي لن يكون طبيعياً“.

الراحل غسان كنفاني عاش واستشهد من أجل فلسطين. رحل جسدا وبقي فكرا.

رحم الله غسان كنفاني معلمي وأستاذي في السياسة والاعلام.

 

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...