الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

شهادة للتاريخ بحق الراحل غسان كنفاني ...هكذا عرفته

في صباح يوم الثامن من شهر تموز عام 1972، انفجرت قنبلة بسيارة الكاتب المبدع والسياسي الفلسطيني غسان كنفاني، مما أدى إلى وفاته على الفور عن عمر ستة وثلاثين عاما ًوهو في أوج عطائه لقضيته الفلسطينية. عرفته عن قرب مخلصاً لشعبه ولقضيته ولأصدقائه ومعارفه والمقربين منه بشكل عام، لأن الوفاء كان صفة مميزة فيه، يتحدث عنها كل من عرفه. تعرفت على الراحل كنفاني في منتصف سنوات الستينات. في كل مرة كنت ألتقي الراحل فيها، كانت بمثابة محاضرة في السياسة والإعلام. فقد تعلمت منه كيفية زرع الإخلاص للوطن في عقول القراء، وتعلمت منه كيفية حفظ تاريخنا عن ظهر قلب، وتعلمت منه أيضاً أن الفلسطيني الذي لا يعمل من أجل فلسطينيته هو ناقص الفلسطينية. وقد قال لي ذات يوم وأنا في مكتبه، ولا يمكن أن أنسى ذلك: ” خلي فلسطين دائما في عقلك وقلبك

كان مكتب الراحل غسان كنفاني يقع في بناية على كورنيش المزرعة في بيروت، حيث كانت مكاتب مجلة “الهدف” التي كان الراحل رئيس التحرير فيها. كان مكتبه في غاية التواضع وأقل من عادي قياساً بالمكاتب الفخمة لرؤساء تحرير الصحف اللبنانية، لأنه لم يهتم بالمظهر إنما بالجوهر. كانت جدران مكتبه تزينها ملصقات ورسومات سياسية رسمها بنفسه وخريطة لفلسطين.

كان كل حرف خطه الراحل يزعج “إسرائيل”، التي أدرك قادتها أن كتابات الراحل تستطيع أن تصنع جيلاً ثورياً قادراً على التغيير، فأرادت التخلص منه. وفي عام 2005، أي بعد مرور 33 عاما على تنفيذ الجريمة، اعترفت إسرائيل بمسؤوليتها عن العملية ، وقالت أن عناصر من جهاز الموساد زرعوا عبوة ناسفة في سيارة كنفاني. وقد جاء على لسان الجنرال أهارون ياريف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي،”آمان” في مقابلة أجرتها معه الإذاعة البريطانية في العام 1993، أنه كان يتلقى أوامره مباشرة في أوائل السبعينات، من رئيسة الوزراء آنذاك “غولدا مائير”، بملاحقة واغتيال شخصيات فلسطينية منتقاة أينما وُجدوا، وبالطرق التي يراها “الموساد” مناسبة.

كان الراحل غسان كنفاني أول من كتب عن شعراء الداخل الفلسطيني، وأطلق عليهم لقب “شعراء المقاومة”، وكان كثير الكتابة عنهم لتعريف فلسطينيي الشتات بهم، وهو الذي سمى شعرهم “شعر المقاومة”. لقد جمع الراحل غسان بين النضال والصحافة والكتابة والفن، فكان إعلامياً وروائياً وكاتب قصة وناقداً ومسرحياً ورساماً وسياسياً. لاحظت ذات مرة عندما كنت في مكتبه، انه يحمل مسدسا صغيراً، فسألته عما إذا كان هذا المسدس يحميه من الأعداء. فأجابني مع ابتسامة المناضل المؤمن بقضيته وبوطنه: “الله وحده الحامي يا أحمد، وأنا عندي إحساس بأن موتي لن يكون طبيعياً“.

الراحل غسان كنفاني عاش واستشهد من أجل فلسطين. رحل جسدا وبقي فكرا.

رحم الله غسان كنفاني معلمي وأستاذي في السياسة والاعلام.

 

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...