الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

صخرة الروشة: المقاومة بين الألم والمواجهة – تحليل نفسي سياسي استراتيجي

رلى توفيق الحوري ناشطة اجتماعية / محللة سياسية

من صخرة الروشة إلى الحقائق الكبرى

لم أكن يوما من هواة الانجرار وراء الجدل السطحي. لذلك، حين قرأت عن قرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع حزب الله من إضاءة صخرة الروشة احتفالا بالشهيدين المرحومين السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين ، بدا لي الأمر أشبه بخلاف بين أطفال يتنازعون على من يملك الحق في تشغيل الضوء بغرفة مشتركة…، مقارنة بالتهديدات الكبرى التي يواجهها الشعب يوميا..!!

استصغرت الموضوع، ولم أر فيه سوى قرار اعتباطي، غير ناضج، لا يرقى إلى مستوى التحديات الكبرى التي يعيشها اللبناني اليوم من فقر وانهيار كامل وذل يومي.

لكن ما استوقفني فعلا لم يكن القرار بحد ذاته، بل إصرار الحزب على إهمال القرار والاحتفال كما أراد على صخرة الروشة.

هنا، وجدت نفسي مضطرة للغوص أعمق: ليس في تفاصيل السياسة، بل في عمق البنية النفسية والثقافية التي تصوغ سلوك الجماعة.

وللفهم الكامل لأهمية هذه الرمزية، يجب أولا الغوص في أعماق الثقافة الجماعية وطقوس بيئة المقاومة، مع إدراك أن هذا الاحتفال الرمزي ليس مجرد فعل ثقافي، بل إشارة استراتيجية قوية تبرز قدرة الجماعة على فرض إرادتها على الدولة والعدو على حد سواء.

اللطميات: تحويل الألم إلى معنى جماعي

من الخارج، قد يبدو مشهد اللطم وجلد الذات غريبا أو حتى مستهجنا: رجال وأطفال يضربون صدورهم وجباههم حتى تسيل الدماء. لكن من الداخل، هو طقس نفسي–جماعي معقد. في علم النفس العيادي، يمكن قراءته كآلية تفريغ انفعالي (catharsis) يحرر المكبوت، ويمنح المشاركين شعورا بالتحرر من الألم الداخلي عبر استدعاء الألم الجسدي المرئي.

أكثر من ذلك، الطقس ليس فرديا، بل جماعيا. الجميع ينصهر في إيقاع واحد، في حركة واحدة، في دم واحد. هذه الحالة يسميها علماء النفس بـ الانصهار الهوياتي (identity fusion)، حيث يتوحد الفرد بالجماعة إلى حد يصبح مستعدا للتضحية بنفسه دون تردد.

كما يعكس هذا الطقس قدرة الجماعة على تحويل الألم الفردي والجماعي إلى شعور بالسيطرة والقدرة، وهو ما يفسر جزءا من رفض الانصياع لأي قرارات شكلية لا تتوافق مع هويتهم الرمزية والاستراتيجية.

علما، ان بيئة حزب الله لا تؤيد جلد الذات وضرب الجسد .. ولكن ، اقله تعيش في هذه البيئة وتآلفت معها فكريا وروحيا ومشهديا ..

ثقافة الشهادة: تحويل الفقد إلى قوة

ثم هناك البعد الآخر: فقد الأحبة. في بيئة عاش أهلها حروبا متتالية، لا تكاد تجد عائلة إلا وفقدت عائلة او ابنا أو أخا أو أبا او قريب أو..او
واقله صديق .. والتحقوا في ركب الشهداء ..

في المجتمعات العادية، مثل هذا الفقد يترك ندوبا نفسية عميقة قد تتحول إلى اكتئاب أو عزلة.

لكن عند الشيعة في لبنان، الأمر يترجم إلى ما يمكن تسميته بـ المعنى الفائق (transcendent meaning): الموت لا يرى كخسارة، بل كفوز. الشهادة تحول إلى قيمة عليا، والفقد يصبح مصدر اعتزاز وقوة إيمانية.

علم النفس العيادي يصف هذه الظاهرة بأنها شكل من أشكال المناعة النفسية ضد الصدمات (psychological resilience)، حيث يعاد تفسير المأساة لتتحول من جرح إلى راية، ومن كسر إلى مصدر هوية.

هذه القدرة على تحويل الخسارة إلى قوة نفسية جماعية تجعل الجماعة قادرة على التحمل والرد الاستراتيجي، وهو ما يعزز رسالتها الرمزية والسياسية معا.

حدود الصبر والسيطرة: رسالة المقاومة العميقة

في زمن يسقط فيه الشهداء يوميا، وتغيب الدولة عن حماية شعبها، ترسل المقاومة رسالة واضحة لا تختزل في كلمات أو رموز عابرة. هي ليست مجرد فعل رمزي، بل إعلان قوة وإرادة استراتيجية متكاملة.

تقول بصراحة: عندما نقرر المواجهة، لا يردعنا أحد، لا داخليا ولا خارجيا. لن نسمح لأي قيود شكلية أن تقيد إرادتنا، مهما كانت مصدرها.

على الصعيد النفسي، يعكس هذا مناعة متأصلة وفهما عميقا للألم والخسارة، وقدرة على التحمل وفق حدود محسوبة، ما يجعل أي تهديد شكلي بلا أثر.

من ناحية اخرى ، السياسة تكشف بوضوح أن الدولة إلى الآن أظهرت عجزها في ردع العدوان أو حماية شعبها، مكتفية بالتنديد والاستنكار فقط.. !! بينما العدو يستريح في أراضينا ويقتل المواطنين يوميا بلا أي رادع حقيقي…!

هذا الواقع يضع المقاومة أمام حقيقة واحدة: صبرها ليس بلا حدود، ومتى ما تجاوزت الدولة حدود فشلها، فإن المبادرة للردع ستعود إلى المقاومة مباشرة.

الرموز الوطنية والشرعية الرمزية: من ساحة الشهداء إلى صخرة الروشة

كل الشهداء لهم مكانتهم في الذاكرة الوطنية، سواء كان الشهيد رفيق الحريري أو الشهيدان الذين تحتفل بهم المقاومة رحمهم الله جميعا . تحيى ذكرى وفاة رفيق الحريري سنويا في ساحة الشهداء، مساحة وطنية عامة، دون أي اعتراض أو رقابة، وهو ما يعكس الاعتراف المجتمعي العميق والشرعية الرمزية لهذا المكان كفضاء للاحتفاء بالشهداء والحفاظ على هويتهم الوطنية.

في المقابل، عندما أرادت المقاومة إحياء ذكرى شهدائها على صخرة الروشة، واجهتهم الدولة بقرار لمنع الاحتفال، رغم أن الهدف كان رمزيا ووطنيا بامتياز، دون أي تهديد للأمن أو النظام العام. هذا التباين يكشف الفارق الجوهري في تعامل السلطة مع الرموز الوطنية: ليس لأن الشهداء يختلفون في قيمتهم أو شرعيتهم، بل لأن الدولة تمارس انتقائية في فرض قيودها الشكلية، بينما تمنح الجماعات القدرة على ممارسة حقها الرمزي عندما تفرض نفسها بالمعنى المجتمعي والنفسي.

من هذا المنظور، كل الشهداء يحظون بمكانة وطنية متساوية، والفارق لا يتعلق بالهوية السياسية أو الانتماء الحزبي، بل بكيفية تعامل السلطة مع الرموز الوطنية، وبقدرة الجماعات على تحويل الرموز إلى أدوات لإرسال رسائل استراتيجية ونفسية تعكس حدود سلطة الدولة ومقدار إرادة الجماعة في الحفاظ على رموزها.

قرار أصغر من حجمه:

اخيرا اقول، أمام هذا العمق النفسي والثقافي الذي يحكم سلوك الشيعة في لبنان، بدا قرار نواف سلام أشبه بمحاولة طفل صغير أن يضع إصبعه في مجرى نهر جارف ليوقفه.

هو قرار إداري بارد في مواجهة ذاكرة مشبعة بالدم والشهادة والتضحية. المفارقة أن الدولة التي عجزت عن تأمين الكهرباء والماء والدواء، أرادت أن تثبت هيبتها في “منع الضوء عن صخرة”…!!

بينما الشعب يموت على أبواب المستشفيات بسبب غياب الرعاية الصحية، وتزداد معدلات الجريمة نتيجة الفقر والبطالة، وتحصد الأرواح في حوادث السير على طرقات مهملة بلا صيانة، وفي الوقت الذي تنهب فيه أموال المودعين من المصارف، وتزداد الأوضاع المعيشية قسوة، لا يجد رئيس الحكومة ما يشغله سوى صخرة الروشة…!!

أما على الحدود، فالخروقات الإسرائيلية لا تتوقف، والشهداء يسقطون يوميا، بينهم أطفال ونساء وعائلات بأكملها. ورئيس الوزراء لا يملك سوى التنديد والاستنكار، دون أي فعل حقيقي يشعر الناس أن الدولة تقف معهم.

من زاوية نفسية، يكشف هذا النوع من القرارات عن آلية دفاعية لدى رئيس الوزراء تشبه “الإنكار والإزاحة”: إنكار الأولويات الكبرى، وإزاحة الصراع مع القضايا المصيرية نحو تفاصيل صغيرة يمكنه أن يمارس عليها سلطة شكلية.

انتقل الى توجيه شكر خاص للأجهزة الأمنية على حكمتهم في التعاطي مع الحدث وادارته وتجنيب البلاد مشاكل نحن بالغنى عنها .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...