“1”
ماذا يعني
ماذا يعني أن تجتمعَ الدنيا لإدانةِ جرحِ فلسطينْ
ولتبرئةُ السِكِّينْ،
ماذا يعني إدخالُ الموتِ إلى غزّةْ
في كيسِ طحينْ،
ماذا يعني أنّا نهجمُ في داحسَ والغبراء،
ونهربُ في حِطّينْ
ماذا يعني في مؤتمر القمّةِ
أنْ يحضرَ بِنْيامينْ
ماذا يعني إلغاءُ بيانٍ باسمِ الدينْ
لتَتِمَّ مفاوضةُ الجرحِ مع السكّين.
ماذا يعني أنَّ فلسطينَ لدينا
توجدُ في الصين
والأقصى أقصى من بكِّين
ماذا يعني أن نَنْطقَ لا بِنَعَمْ؟
ماذا يعني أن تُبصِرَ في نيويوركَ مظاهرةً
تحتجُّ على جوعِ الأطفالِ بغزّةْ،
حتّى، حنّى في تلِّ أبيبَ،
شاهدْنا ناساً يَحْتَجّون على جوع الأطفالِ بغزةْ
لا في بلدٍ عربيًٍ يرفعُ أعلاماً إسرائيليّة
في بلدِ يرفعُ للحُكّام دُعاء
لإطالة أعمار الحُكّام وأبناءِ الحُكّام
وسماسرةِ الحُكّام،
وأُولي الأمرْ.
ماذا يعني أن تُرفعَ أعلامٌ إسرائيليّةْ
وعليها نجمةُ داودْ
فوقَ الباقي من أضرحةٍ التاريخ العربي
أو أبراجٍ عربيّة
وأنا أخشى أن تُرفَعَ يوماً
في أصواتِ مآذننا صلواتٌ للتطبيعْ،
ويَؤمَّ صلاةً للتطبيع بنا بنيامينْ!!
ماذا يعني أنّ الموتَ بغزّةَ
هو أهونُ من جوعِ الأطفالْ
***
“2”
لكنْ ماذا يعني تفجيرُ حديدِ الميركافا
بيدٍ من طينْ
في غزّةْ..
الجوعُ يسيلْ،
والمالُ يسيل
وسألتُ دمَ الشُّهداء المسكوبَ بغزّةَ،
وهو يسيل:
كيف نُصَلّي من غيرِ وضوءْ
قالوا: كنّا نَتَوَضّأُ بالجوعْ
وغيابِ الماءْ
لنُقيمَ صلاةَ عِشاءٍ دونَ عَشاءً
قبلَ نضوبِ الوقت وبدء صلاةِ الجوع
ما هذا الجوعُ الرّبّاني،
سبحانَكَ يا ألله!
يا غزّةُ ماذا نفعلُ بعدَ نضوبِ الماءْ،
ونضوبِ الدمْ؟
لا يوجَدُ، يا غزّةُ فئةٌ أخرى للدمْ
تتناسلُ في عربٍ لا يوجَدُ فيهمْ دمْ
“3”
القرعُ على أوانٍ فارغة إلّا من الجوع
قرعُ الأطفال بغزّةَ فوقَ أوانٍ فارغةٍ
هو أجدى من أن تقرعَ بابَ الحُكّامِ العربِ الطُلَقاءْ،
أجدى من مؤتمرات القمَّةِ
وهي تَضُجُّ، وتزحر بالكلماتْ،
وبالفُضُلات.
شكوى ألحانِ أواني الجوعْ
في أيدي أطفالكِ، يا غزّةْ
هزّتْ وجدانَ شعوبِ الأرض
إلّا وجدانَ الحُكّام العرب “العقلاء”.
موسيقى الجوعِ بغزّة يعزفُها الجوع القتّالِ،
وتعزفُها الأمعاءْ.
والجوعُ بغزّةَ أكثرُ إيلاماً
من قصف الطائرةِ العمياء.
لا بدَّ من اللهِ بغزّةْ.
أطفالُ العالَمِ يا غزّةْ
حملوا كصغارِكِ أوعيةً كي تعزف
لحنَ الجوع ولحنَ الموت ولحنَ الثورةْ.
لم يبقَ مكانٌ في الدنيا من دون وجعْ
من أجلِ صغارِكِ، يا غزّةْ.
قالجوعُ رغيفٌ للحرمانْ،
لا يأكلُهُ إلّا الجَوْعانْ
أخجلُ أني عربي
من جوعِ صِغاركِ يا غزّةْ
خجلاً من جرحكِ يا غزّةَ،
أخجلُ منها وهي تقيمُ صلاةَ الغائبِ عن دمِنا،
وعروبتِنا
هو جوعٌ من صُنْعِ الإنسان
أخجلُ أنّي عربي
قَرَفاً يا غزّةُ من أن أبصرَ مسؤولاً عربياً
يَتَبَوَّلُ من فمِهِ أخلاقاً وعروبةْ.
وبلا تمويهٍ أعني كلَّ الحكّامِ العربِ الجُبناء
هم من أحفاد مُسَيْلِمةٍ وأبي لهَبِ.
هم ليسوا من أحفادِ التاريخِ العربي.
أخشى من فَتْحِ التلفزيون،
كي لا أبصِرَ مسؤولاً من عربِ الرِّدّةْ
ألّا أبصرَ أنصاباً بُكْماً جُبَناءْ،
أنصاباً يأتَمُّون بأبرهةَ الحبشي
أعلاهمْ لا يَعْدُلُ شِسْعَ حذاءْ
ما أقبحَ أن يَتَكلَّمَ محكومٌ حاكمْ
ما أصعبَ أن تسمعَ ما كان يقول، ولا تقدرُ
أن تضرِبَهُ بحذاء.
يتفجَّرُ فينا القهرُ، لأنّا مَحْذوفون،
وليس لنا آباءْ
آباءٌ مثلَ صلاح الدّينِ، وخالدَ وابنِ زياد،
وابنِ أبي وقّاصْ.
لكنَّ القائدَ ليس يُعارْ،
القائدُ يخلُقُهُ شعبٌ جبّارْ
يُصنَعُ من جوعِ الناسِ ومن دمِهمْ
يُصنَعُ من وجعِ الجرحِ النّغارْ
يخلقُهُ من لا يلبسُ إلّا دمّهُ زمنَ الأخطارْ
***
“4”
جوعٌ بلونِ الموت
الجوعُ يسيل،
والمالُ يسيل،
ونعرفُ أين تصبُّ الأموالُ العربية،
في “لسْ فيغاس”
سبحانَك يا ألله.
يا غزّةُ، أين الخبزُ، وأين الماء
وأين ….!!
كم أضْحيةٍ ذبحوا يوم الله،
وعلى عَرَفةْ.
يا غزّةُ أينَ أضاحي الحَجّْ،
وأين الخبزْ؟
الجوعُ يسيل، والمالُ يسيل.
وأمامَ البيت الأبيضِ
يتظاهرُ آلاف الأحرارِ لأجلِ جياعِكِ، يا غزّةْ
معَ أنَّهُمُ لا يحكون اللغةَ العربيّة
لكنَّ ضمائرَهم كانت تحكي لغةً عربيّةْ،
لا يُتْقِنُها عربي
رجلٌ من أمريكا يقرعُ بابَ رفَحْ
يرجوهمْ أن يَدخلَ كي يُطعِمَ جوْعاناً
في غزّةْ.
ومآذنُنا تتثاءبُ في الصلواتِ الخمس
وتدعوفي كلِّ صلاةْ
لإطالةِ أعمارِ الحُكّام،
وأولي الأمرْ
أمٌّ تبكي من غيرِ دموعْ
جَفَّتْ عيناها مثلَ جفافِ صليبِ يسوع،
ويهوذا يأكلُ خبزاً معَهُ باسم الدين
أمٌّ كانت للإعلام تقول،
والطفلُ الميِّتُ بين يدَيْها:
لو أقدر أن أُرسِلَ ثديي معَه،
كي يرضعَ منه هناك،
فلعلَّ الثّديَ يَدُرُّ هناك.
لكنْ أيَدُرُّ هناك؟
فهنا ثديي مثلَه ماتْ
كانت تعطي الماءَ لهُ من غيرِ حليبْ
إنّ استمرارَ الجوعِ يُغَيِّرُ كلَّ الأشياءْ
***
“5”
أمّةٌ صارت أمَةْ
فيا أمّةً من رمالٍ، يعيثُ السرابُ بها،
وتشربُ إنْ ظمئتْ، دمَها
وتلبسُ أكفانَها قبلَ لُبسِ هزائمِها
حيثُ تَعْرَى تماماً، تماماً
أمامَ العدوّ الذي لا يموت،
لقد نزعتْ شَدّةَ الميمِ عنها،
وصارتْ أمَةْ
أتدرين، يا أمَّةَ الضادِ،
ما يفعلُ المُشتري بالأمَةْ؟
يَفُضُّ بكارتَها، ثمَّ يبصُقُ بعد الذي نالَ
منها عليها
ويأمرُها أن تمارسَ كلَّ بغاء.
وما يبتغي بعدُ منها؟!!
سؤالٌ عسى أن يُجيبَ عليه العربْ،
وحاكمُنا العربيُّ الذي لا يموت.
فيا أمّةً نُزِعتْ شَدَّةُ المِيمِ عنها
أأنتِ التي كنتِ يوماً تُحبّين
أن تصهلَ الخيلُ عندَ الثغور
وكنتِ تُلَبِّين صوتَ امرأةٍ هاشميّةْ،
وكنتِ تقولين للسَحَرَةْ
هو السيفُ “أصدقُ منكم بأنبائِهِ الفاصلة”
بين صدقِ الكلامِ وبين الكَدِبْ
وكنتِ تُحبّين أن تبصري المتنبَي،
يقولُ لسيفِ فتىً حَمَداني:
“وقفتَ وما في الموتِ شكٌّ لواقفٍ
كأنّكَ في جفنِ الردى وهو نائمُ
“ومن طلبَ الفتحَ الجليلَ فإنّما
مفاتيحُهُ البيضُ الخفافُ الصوارِمُ”
يومَها شِعرُهُ كان أحمرَ كالموتْ
وأخضرَ مثلَ الحياة
***
“6”
أنهارنا العربيّة تُغَيِّرُ مجراها
هزائمُنا تَلِدُ الجرحَ فينا بجرحٍ يَليه،
ونظمأ والماءُ يجري بغيرِ عرب
في بلادِ العربْ
وحتى الترابُ تَعوّدَ أن يجعلَ الماءَ
أعمقَ، أعمقْ،
وأبعدَ، أبعدْ،
مخافةَ أن يسألوه، ويجهلَ أين تصبُّ
شرايينُ أنهارِنا العربيّةْ.
فأينَ مياهُكَ، يا بردى، يا فراتُ، ويا نيلُ،
يا كلَّ أنهارِنا المستباحةْ،
وهلْ يُتقِنُ الظمأُ العربيُّ إليكِ السباحةْ؟
لماذا تَصُبِّين في الميسسبّي؟
لماذا يُغَيِّرُ في أرضِنا النهرٌ مجراهُ جهراً
بأمرٍ من الفئةِ الباغيةْ،
“وعَمَّارُ تقتلُهُ الفئةُ الباغيةْ”
ظمئْنا كثيراً، كثيراً
إلى الماءِ أيّتها الأنهُرُ العربيّة


