كان الموقف السعودي من العدوان الصهيواميركي على ايران متقدماً على اي موقف في العالم ،من هذا العدوان .
واذ اعتبر البعض ان اتفاق بيكين بين البلدين كان هو البداية ، فإن وقائع العلاقات الطيبة بينهما ،سبقت ذلك
الإتفاق الذي دعت اليه الصين .
وعندما تتوفر النوايا الحسنة، والرجالات الكبار يمكن حصول كل ما يوفر مصلحة البلدين.
لم يكن للسعودية يوماً مشروعاً توسعياً.. ولن يكون .. على الرغم من حضورها الإسلامي التقليدي منذ زمن طويل ، وهي تسبح في بحر من القوى الناعمة بين مليار ونصف المليار مسلم وبين أربعمئة مليون عربي ، من دون ان ننسى ان الملك المؤسس عبد العزيز استقطب نخباً عربية من لبنان ( فؤاد حمزة) وسورية ( الشيخ يوسف ياسين ) ومن مصر ( محمد صلاح الدين ) ومن المغرب ( علال الفاسي ) ومن فلسطين كان مندوب المملكة في الامم المتحدة هو احمد الشقيري ( اول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية).
اما ايران فإنها نصت في المادة الثالثة في دستورها على مساندة المستضعفين في الارض ، ولن يكون في مقدمتهم من يسبق الشعب الفلسطيني ، التي تحتل العصابات الصهيونية وطنه بدفع وتحريض وتمويل من الغرب كله ،الذي تقوده الآن الولايات المتحدة الأميركية.
وكانت الدول المحيطة بفلسطين معنية بهذه المادة ( بطبيعة الحال ) قبل غيرها ،وفي مقدمتها لبنان وسورية والأردن ، وحيث انه كان في سورية والأردن نظامان مختلفان لكنهما قويان ، فلم يبق الا لبنان الارض الرخوة : فما كانت سلطاته يوماً قاسية تجاه اي تحرك على ارضها من اية جهة ، فضلاً عن خضوع لبنان للاحتلال الاسدي منذ العام 1976 طيلة ثلاثين سنة .. وبعد سنتين فقط من هذا الاحتلال ، احتل العدو الصهيوني لبنان عام 1978 .. وهذا ما وفرللمقاومة حقاً وواجباً في القتال من اجل تحرير الارض …وقد اتاح هذا الاحتلال الصهيوني لجنوبي لبنان بأغلبيته الشيعية ، لايران التي تفرض في الدستور ان يكون رئيس الجمهورية فيها على المذهب الجعفري الاثني عشري ،فرصة ترجمة المادة الثالثة من دستورها في لبنان بدعم عاملين رئيسيين هما:
الإحتلال الصهيوني المرفوض دستوراً وسياسة ووطنية وشرعياً … فليكن حزب الله هو المقاومة التي قامت بحقها وواجبها في السعي لطرد الاحتلال وطرد الصهاينة .
-التحالف الإيراني مع نظام الأسد في سورية الذي يحتل لبنان، للإطلال على بلاد الارز من البوابة السورية ، فلما قتل بشار الاسد رفيق الحريري وكان السعوديون يعتبرونه ابنهم البار ، في 14/2/2005.. قامت ثورة الارز في 14/3/2005 وطردت بشار الاسد ، فأصبحت ايران مباشرة في لبنان ، وصولاً إلى الحدود مع فلسطين المحتلة ، وقد اثبتت المقاومة التي رعتها وترعاها ايران منذ العام 1982 نجاعتها بتحرير معظم الارض اللبنانية المحتلة في جنوبي لبنان والبقاع الغربي.
ومن مفارقات الأمور في ولاءات اللبنانيين ، ان تتنافس مصر عبد الناصر مع المملكة العربية السعودية، على استقطاب اللبنانيين بالقوى الناعمة ، فكانت الاغلبية الساحقة من المسلمين ( سنة وشيعة ودروزاً ) من انصار مصر عبد الناصر ، وكانت هناك اغلبية شعبية مسيحية مع السعودية ، وكذلك اقلية إسلامية .
اما بعد غياب جمال ومصر بشكل شبه تام عن لبنان ( وبلاد العرب الأخرى ) ومع صعود المقاومة الاسلامية ضد العدو الصهيوني تدعمها ايران ، وصلابة الموقف السعودي مع لبنان خصوصاً في مرحلة صعود الحريري كرمز عربي تمتد شعبيته إلى سورية ومعظم بلاد العرب ، فقد بدا ان الرياض وطهران تتنافسان ( بوعيهما او من دونه ) على استقطاب اللبنانيين ، مع فارق نوعي هو : ان ايران استقطبت كل مقاوم للعدو الصهيوني ، بينما استقطبت السعودية ، كل لبناني يعارض القتال من لبنان ضد العدو الصهيوني ،، ومع تفاعلات الاحداث ، وتصاعد استحضار ثارات التاريخ بين السنة والشيعة التي بدأت بعد مرور مائتي سنة على ظهور الإسلام،بات الاستقطاب حاداً بين اللبنانيين ، فمعظم الشيعة وقفوا إلى جانب ايران لاسباب عديدة منها مساندتها للمقاومة وجمهورها على كل الاصعدة ، بينما كان بقية اللبنانيين يسجلون للسعودية وقوفها مع لبنان ، من دون اي غرض سياسي ، بل عبر القوى الناعمة .
لبنان واليمن
كانت اليمن ولبنان هما الساحتان الرئيسيتان اللتان جمعتا السعودية وايران
“عاصفة الحزم “السعودية ضد النفوذ الإيراني في اليمن ،هبت بعد ان اصبحت ايران على حدود السعودية 🇸🇦، واذا كان الحلف الإسلامي الذي اقامته أميركا ضد جمال عبد الناصر جمع الملك السعودي فيصل وشاه ايران الذي اعترف في العام نفسه بالكيان الصهيوني، بما دفع عبد الناصر إلى قطع علاقاته بايران ، خصوصاً بعد دعم جمال للثورة الاولى للامام الخميني في 15 خرداد / حزيران عام 1963 , وكانت علاقات جمال مع فيصل بن عبد العزيز في اسوأ حالاتها بسبب حرب اليمن ، فإن العداء المصيري بين مصر والسعودية وايران ، وحد الدولتين المدعومتين من أميركا ضد جمال ، حتى قيل انهما حرضتا ليندون جونسون على دفع اسرائيل للهجوم على مصر، فكانت هزيمة عسكرية ماحقة للجيوش العربية في مصر وسورية والأردن ، واحتلال سيناء المصرية والجولان السوري والضفة الغربية لنهر الأردن وغزة في فلسطين ..
والمفارقة ان الدولتان السعودية وايران كانتا وراء انقلاب أنور السادات على نهج وسياسة وطريق جمال عبد الناصر ، لكن السعودية ظلت ثابتة على نهجها ضد العدو الصهيوني ، بينما تبع أنور السادات شاه ايران ( وفيصل ) في فتح أوتوستراد سياسي مع العدو الصهيوني
التحول الجذري
الآن تحولت ايران جذرياً من احدى ادوات اميركا ( وإسرائيل ) في المنطقة إلى آخر قلعة حربية تقاتل ضد العدو الصهيوني ، وهي سجلت سابقة تاريخية في الصراع ضد العدو الصهيوني ، بنقل الحرب عبر الصواريخ إلى قلب قلب الكيان الصهيوني
اما السعودية 🇸🇦 فقد زاد عليها إلى رفع راية فلسطين والعروبة تقليدياً ،إلى حمل عبء القيادة العربية والاسلامية، في ظل فراغ حقيقي عربي وإسلامي ، على المستوى الرسمي ، وصولاً إلى المستوى الشعبي ، الذي ماعاد يعرف الكثير عن العملاق الأسمر جمال عبد الناصر ، ومصر مشغولة بشؤونها الداخلية البحتة ، ومحاولات التشويه التي لم تتوقف منذ انقلب أنور السادات بدعم من فيصل وشاه ايران،، على جمال عبد الناصر وعصره ..
انها الساحة المفتوحة ، بل هي الراية اليتيمة التي تنتظر من يرفعها … وهي ترى في الأمير محمد بن سلمان المؤهل العملي لرفعها ، بدءاً من موقفه المبدئي من الصراع العربي – الصهيوني ، إلى رفضه اقامة اية علاقة مع الكيان الصهيونى متمسكاً بالمبادرة السعودية التي تبنتها قمة العرب في بيروت عام 2002 .. بإقامة دولة فلسطينية على كامل الارض الفلسطينية المحتلة في 5/6/1967 وعاصمتها القدس.
وليعترف السعودي والايراني ان كل واحد منهما بات أقرب إلى الآخر في الموقف من القضية الفلسطينية، وهذا ادعى لأن يطبعا العلاقات بينهما كخطوة اولى ثم يشكلا رافعة عربية – إسلامية لتحقيق هدف اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
٢- السعودية وايران مستهدفان من التطرف المتمسلم ، من داعش واخواتها ، ومن فكر سيد قطب، الذي هو منبع الإرعاب المشوه لدعوة الله ان أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.
٢- ايران والسعودية يلتقيان في كراهية العدو الصهيوني لهما .
ويلتقيان في حاجة الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا لهما ، وكل دولة من هذه الدول تحتاج كل دولة من الدولتين لاسباب قد تتقاطع وقد تتناقض .
٣- الدولتان مسؤولتان عن ازالة العقبات الثقافية والسياسية ،بين الاغلبية السنية والأقلية الشيعية الكبيرة ، ويمكنهما ، ان يجدا مساحات تواصل في ساحتين جوهريتين لهما :
٠الساحة الاولى في اليمن حيث الزيدية الاقرب إلى السنة من التشيع الايراني ، وهناك تاريخياً زيديين اعتمدوا على المملكة العربية السعودية في الكثير من ثبات سلطاتهم السابقة قبل ان يتحول الحوثيون إلى الاثني عشرية .
٠ الساحة الثانية هي مصر التي هي عنوان الاعتدال الإسلامي ، بل الوحدة الإسلامية ،
مصر كانت هكذا إلى ان اخترق نسيجها الفكري والثقافي والاجتماعي ، حاجة العمل لملايين المصريين في المملكة العربية السعودية ، الخاضعة لمئات السنين للسلفية المتشددة ، فتأثر ملايين المصريين بالفكر السلفي المتخلف ، ودفعوا إلى الخلف سياسة التنوير التي بلغت ذروتها في عصر جمال عبد الناصر، وعندما جاء أنور السادات وصم التنوير بأنه إلحاد وأطلق على نظامه اسم دولة العلم والايمان ، وأطلق على نفسه لقب الرئيس المؤمن ، واسم محمد أنور السادات ، وصار حسني مبارك محمد حسني مبارك ، وصار عبد الحليم ابو غزالة هو محمد عبد الحليم ابو غزالة ، وصار الخطباء في المساجد يتباهون بما نسبوه إلى الرسول العربي الكريم زوراً قول: ” خير الأسماء ما “حمد وعبد “وهو انجب ذكوراً ( وإناث ) ولم يحمل اي ذكر من ابناء الرسول اسم عبد او حمد ، وهو ابو القاسم محمد .
وفي الختام
في السعودية امير شاب تتلمذ على يد الاب الذي كان – اطال الله عمر الملك سلمان – استاذاً ومربياً وموجهاً لجيل كامل من الأمراء السعوديين الشبان ، كان يجمعهم ويدرسهم ويعلمهم ثم يجري لهم الاختبارات ، بعد كل لقاء مع زائر عربي او اجنبي ليسأل كل واحد فيهم عما سمعه ،او استنتجه
من هذا اللقاء .
محمد بن سلمان ابن هذه المدرسة ، وكان الأنبه فيها وقد صقلته المشاركات الفعلية مع والده خلال سنوات التعلم ليصبح صانع سياسة غير مسبوقة في المجتمع السعودي الذي يشكل الشباب فيه نحو 60% منهم تحت سن العشرين .
وكانت واحدة من رواسخ التركيبة الاجتماعية والثقافية السعودية التي قامت على ان يتولى آل سعود الشأن السياسي وان يعطى لآل الشيخ الشأن الديني ، ان تولى الأمير الشاب شؤون الدولة الاستراتيجية ، وأن يتولى ابن آل الشيخ الشؤون الادارية للتطوير في مختلف القطاعات…
في بناء المملكة الرشيدة
هنا نستطيع الرهان بأن نجاح التطوير الحداثي في المملكة، سيساعد النظام الايراني على استيعاب التحولات العصرية لمصلحة عشرات ملايين الإيرانيين ،
وهنا
تلتقي مصالح الدولتين :العربية القائدة والإسلامية المجاهدة ،لصناعة المستقبل الذي يريده العرب والمسلمون
وهكذا
فكل شىء يبدأ بالتطبيع اولاً


