بالتهاني والتبريكات، وبأطباق الحلوى التي تتبادلها الأيدي قبل الكلمات، وبشجرة الميلاد التي تضيء البيوت كما تضيء القلوب، يشارك أهالي الضاحية الجنوبية إخوانهم المسيحيين فرحة عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام.
مشهدٌ لم يعد طارئًا ولا استثنائيًا، بل تحوّل مع مرور السنوات إلى تقليد اجتماعي راسخ، يعكس عمق العلاقات الإنسانية بين الناس، ويؤكد أن الفرح الصادق لا يُقاس بالانتماء الديني، بل بقدرة الإنسان على مشاركة الآخر لحظات الأمل والبهجة.
عددٌ ليس بالقليل من البيوت في الضاحية الجنوبية فضلاً عن محّلاتها أصبحت شجرة الميلاد فيها عادة سنوية، تُزيَّن بمحبة وقناعة، لا تقليدًا أجوف ولا مجاملة عابرة، بل تعبيرًا صادقًا عن ثقافة العيش الواحد التي نشأت وتكرّست قبل أن تتحوّل إلى شعار سياسي أو مادة إعلامية.
في هذه البيوت، لا تُضاء الشجرة للزينة فحسب، بل لتقول إن القيم الإنسانية الجامعة أقوى من كل الانقسامات، وإن ميلاد السيد المسيح عليه السلام هو ميلادٌ للمحبة والسلام والرجاء، وهي قيم يلتقي حولها اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم.
في الضاحية، يُستعاد معنى العيد كمساحة لقاء لا كخط فاصل. فالسيد المسيح عليه السلام، بما يمثّله من رمزٍ روحي وأخلاقي، حاضر في الوجدان الجمعي كرسالة رحمة وتواضع وعدالة، لا كعنوان حصرٍ أو ملكية دينية.
من هنا، تأتي المشاركة طبيعية، بلا تردّد أو حرج، وتتحوّل الأعياد إلى مناسبات لتعميق الروابط الاجتماعية، لا لاختبارها.
ويجسد الواقع اليومي تنوع مواقف الناس تجاه المشاركة. فبينما اعتبر خالد حسين أن المشاركة في مثل هذه المناسبات محل إشكال ديني، داعيًا إلى عدم تقليد غير المسلمين فيما اعتبره بدعة سيئة، تساءلت بتول عبد الله قائلة: “ما الضير لو شاركت جيراني وإخواني المسيحيين فرحتهم مع محافظتي على تديني وعقيدتي، وهم يفعلون ذلك عندما يشاركني بعضهم في مناسباتنا كذكرى عاشوراء وولادة الإمام الحسين عليه السلام وولادة الإمام المهدي عليه السلام وعيد الغدير؟”
السيدة نورا زعيتر، وهي من سكان الضاحية الجنوبية – برج البراجنة، تعبّر عن هذه القناعة بوضوح حين تقول: «مش أول سنة شجرة الميلاد بتزيّن بيتي، هيدي عادة ورثتها من أهلي، وكثير من الناس اللي بعرفهم كمان عندهم عيد الميلاد مناسبة بتحمل كتير من المعاني الحلوة». كلام زعيتر يعكس تربية عائلية ترى في العيد قيمة إنسانية قبل أن يكون مناسبة دينية، وتعتبر المشاركة فعلًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تبرير أو تفسير.
وتضيف زعيتر أن شجرة الميلاد في منزلها ليست مجرّد زينة موسمية، بل رمز لمعانٍ كبرت معها، وتعلّمت من خلالها أن الفرح لا يُختزن، بل يُشارك، وأن المحبة حين تُعاش يوميًا تصبح أقوى من أي خطاب انقسامي. وعن الهدف من ذلك، تطرح سؤالًا يتجاوز التجربة الشخصية إلى الفضاء الوطني العام: «لكن الوحدة الوطنية بس حكي؟ أو لازم تترجم بالأفعال؟ وهل السيد المسيح عليه السلام حكرًا على طائفة دون أخرى؟». أسئلة تختصر جوهر الإشكالية اللبنانية، وتعيد تعريف الوحدة الوطنية كفعلٍ يومي يبدأ من البيت، لا كشعار يُرفع عند الأزمات.
وفي حيّ السلم، يلتقي هذا الصوت مع صوت السيد محمد فوعاني، الذي يقول: «أنا عندي شجرة بالبيت، وكل سنة بأيام الميلاد بزيّنها، لأشارك إخواني المسيحيين بهجة ولادة السيد المسيح عليه السلام». ثم يضيف بجملة تختصر مسارًا فكريًا وتربويًا كاملًا: «نحن أبناء الإمام السيد موسى الصدر، وهيك هو ربّانا». عبارة تختزل مدرسة كاملة في الانفتاح، ترى في الدين جسرًا للتلاقي لا جدارًا للفصل، وفي الإنسان قيمة مطلقة تتقدّم على كل انتماء آخر.
بالنسبة لفوعاني، كما لكثيرين غيره، فإن المشاركة في عيد الميلاد ليست تنازلًا عن الهوية، بل تعبيرًا ناضجًا عنها. فالإيمان، كما يرى، لا يتناقض مع احترام الآخر، بل يكتمل به، والعيش المشترك لا يُصان بالخوف أو الانغلاق، بل بالثقة المتبادلة والمبادرات الصادقة، ولو كانت بسيطة في ظاهرها.
في الأزقة والشوارع، تتكرّر هذه المشاهد بهدوء، زيارات متبادلة، تهانٍ صادقة، وأطفال يحتفلون على صورة مختلفة عن العيد والوطن. صورة لا تقوم على الفرز والاصطفاف، بل على المشاركة والتقاسم. ففي زمنٍ تتكاثر فيه محاولات بثّ الخوف والتحريض، تشكّل هذه الممارسات اليومية نوعًا من المقاومة الهادئة، مقاومة تسعى إلى حماية النسيج الاجتماعي من التآكل.
الضاحية الجنوبية، التي طالما حُمّلت صورًا نمطية قاسية، تكشف في هذه الأيام وجهها الحقيقي، وجه الناس البسطاء الذين يدركون بالفطرة أن الأوطان لا تُبنى بالخطب، بل بالعلاقات الإنسانية، وأن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوانين، بل تنمو حين يشعر كل فرد بأن فرح الآخر لا يهدّد فرحه، بل يكمّله.
هكذا، ومع كل شجرة ميلاد تُضاء في بيت مسلم، ومع كل كلمة تهنئة تُقال بلا تردّد، يتجدّد المعنى الحقيقي للعيش المشترك. وفي ميلاد السيد المسيح عليه السلام، يجد كثيرون في الضاحية فرصة لتجديد العهد مع القيم التي تجمعهم: المحبة، الرحمة، والسلام. قيمٌ إن صُنعت في البيوت، ستكبر في الشوارع، وتحمي الوطن من كل انقسام.


