ليس اللافت في المشهد الثقافي العربي اليوم ،أن يعود اسم أم كلثوم إلى واجهة الاهتمام، بل كيفية عودته.
فالتراكم المثير للكتب الصادرة عنها خلال أقل من عقد، ومعظمها في السنوات الخمس الأخيرة، لا يشير إلى حنين بريء أو رغبة في إعادة تمجيد “الست”، بقدر ما يكشف عن تحوّل عميق في زاوية النظر
إليها.
نحن أمام انتقال واضح: من كتابة سير تحتفي بالصوت والنجومية، إلى نصوص تحليلية تقارب أم كلثوم بوصفها ظاهرة سياسية، وجندرية، ولغوية، وعابرة
للحدود.
عودة ليست برينة.. لماذا الآن؟ من الحنين الجمالي إلى الحاجة الثقافية في زمن الانكسار العودة الكثيفة إلى ام كلثوم في هذا التوقيت ليست مصادفة، بل تبدو نتيجة تراكب عدة طبقات ثقافية وسياسية وإعلامية في ان واحد.
فهي أولا حنين يشكل آلية دفاع ثقافي، تستدعى من خلاله أم كلثوم بوصفها علامة على زمن مكتمل، او صودًا يرمز إلى لحظة كانت فيها الثقافة قادرة على إنتاج إجماع عاطفي وجمالي.
الموضوع هنا ليس مجرد استذكار
فني، بل بحث عن معنى، وعن نموذج للاستمرارية وسط التفكك الذي يعيشه أم كلثوم من الصوت إلى الظاهرة
في هذه الموجة الجديدة، لا تستدعى أم كلثوم كمطربة فقط، بل ك “ظاهرة”
كاملة، يتم تفكيك علاقتها بالدولة،
بالإذاعة، بالجمهور، وبفكرة “الأمة”
ذاتها.
ففي لحظة يعاد فيها التفكير بدور الثقافة في بناء الهوية، تصبح سيرتها مادة خصبة لإعادة القراءة، لا سيما أنها جسدت توازنًا نادرًا بين الفن والسلطة والجمهور.
وفي زمن الاستقطاب الحاد، تمثل
أم كلثوم مساحة شبه وحيدة يمكن أن يلتقي حولها المختلفون، وهو ما يمنحها قيمة رمزية إضافية تتجاوز الفن.
بينما يذهب كتاب “5 شارع أبو الفدا”
لفكري صالح (2020) إلى كتابة الشهادات والتفاصيل اليومية، كاشفا
ما هو خارج السرد الرسمي.
في المقابل، يأتي كتاب “أم كلثوم من الميلاد إلى الاسطورة” لحسن عبد الموجود (2025) ليقاربها بوصفها
مشروعًا مؤسسيًا متكاملا: قرارات،
تحالفات، وإذاعة، ودولة شاركت في صناعة الأسطورة.
أما كريم جمال، في كتابه “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي” (2022)،
عندما يعجز الواقع عن إنتاج حدث فني جامع الفراغ في الحاضر الغنائي، والعجز عن إنتاج ظواهر فنية جامعة بالعمق والامتداد، نفسهما يجعلان العودة إلى الارشيف أمرا شبه حتمي. فعندما يغيب “الحدث الفني الكبير”، يعود النقاد والجمهور إلى الماضي لا باعتباره زمنا منقضيًا، بل بوصفه بديلا عن حاضر هش، يفتقر إلى الرموز الجامعة.
هكذا تتحول أم كلثوم إلى مرآة يُقاس بها الانحدار، وإلى معيار تستعاد من خلاله فكرة “الزمن الجميل”، لا بوصفه زمنا مثاليًا، بل زمنا كان الفن فيه قادرًا على إنتاج المعنى.
كيف منحت المنصات حياة
ثانية لصوت قديم؟
لا يمكن فصل هذه العودة عن التحوّل التقني الهائل الذي تعيشه الثقافة اليوم.
فالمنصات الرقمية، ولا سيما التفاعلية منها، أعادت تدوير أرشيف أم كلثوم بصورة جذابة للأجيال الجديدة: حفلات مُرمَمة، مقاطع
قصيرة، مقارنات، تحليلات، وتفاعل جماهيري
لم يكن متاحاً سابقا.
هكذا خرج صوت “الست” من سياقه التاريخي الاصلي، ليعيش حياة ثانية داخل اقتصاد الانتباه الحديث، حيث يُعاد اكتشافه بوصفه محتوى حيًا، لا مجرد تراث محفوظ.
وبالتوازي مع هذا التفاعل الرقمي، تقترن العودة بإنتاجات ثقافية وفنية معاصرة: كتب، أفلام وثائقية، أعمال درامية، وأفلام روائية، تجعل من ام كلثوم مدخلا لنقاشات اوسع عن علاقة الفن بالسلطة، وعن آلمرأة في المجال العام، وعن معنى “النجومية” قبل السوق
النيوليبرالية.
كيف أعادت الكتب الجديدة
كتابة أم كلثوم خارج الهالة؟
يقدّم كتاب “أم كلثوم: سيرة الحب”
محمد عوض (2016) نموذجا للكتابة التقليدية التي تحتفي بالنجومية والصوت، عبر سيرة وجدانية تبنى من شهادات معاصريها.
بينما يذهب “5 شارع أبو الفدا”
لفكري صالح (2020) إلى كتابة الشهادات والتفاصيل اليومية، كاشفا
ما هو خارج السرد الرسمي.
في المقابل، يأتي كتاب “أم كلثوم من الميلاد إلى الأسطورة” لحسن عبد الموجود (2025) ليقاربها بوصفها
مشروعًا مؤسسيًا متكاملا: قرارات،
تحالفات، وإذاعة، ودولة شاركت في صناعة الأسطورة.
أما كريم جمال، في كتابه “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي” (2022)، فيذهب إلى قلب العلاقة بين الفن والدولة بعد 1967، حيث تتحول
“الست” إلى مؤسسة معنوية داخل
اقتصاد رمزي وطني.
ويصل التفكيك إلى ذروته مع محمد الباز في كتابه “لعنة الست: أم كلثوم..
وجوه أخرى” (2026)، حيث تُكسَر الهالة، وتطرح الأسئلة حول كلفة
النجومية المطلقة، والعلاقات المعقدة.
بهذا المعنى، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا نعود إلى ام كلثوم؟ بل:
ماذا نريد منها اليوم؟ رمز”ا؟ مرآة؟ أم مختبرًا لفهم علاقتنا بالفن، والسلطة،
والزمن؟


