في أزمنة الحروب والأزمات الكبرى، تتعرّض المجتمعات لاختبارات قاسية تمسّ بنيتها الأخلاقية والاجتماعية. ومع ما يمرّ به لبنان من عدوانٍ صهيونيٍّ مستمر، وما نتج عنه من موجات نزوحٍ ومعاناة إنسانية مريرة، برزت ظاهرة مقلقة بدأت تتسلّل إلى بعض البيئات، وهي إقدام بعض الرجال على الزواج الثاني، وربما الثالث، في ظروف النزوح والاضطراب، من دون مبرّرات حقيقية أو ضوابط أخلاقية واجتماعية واضحة.
إنّ أصل التعدّد في الشريعة ليس بابًا مفتوحًا للهوى أو الاستغلال، بل رخصة مشروطة بالعدل، والمسؤولية، والقدرة. وهو في كثير من الأحيان حلّ لضرورات اجتماعية محدّدة. غير أنّ ما نشهده اليوم في بعض الحالات لا يمتّ إلى هذه الحكمة بصلة، بل يتحوّل إلى ممارسة عشوائية تستغل هشاشة الظروف التي تعيشها العائلات النازحة، وضعف الاستقرار النفسي والاقتصادي الذي تعانيه النساء.
في خضمّ النزوح، تعيش العائلات حالة من القلق والضيق وانعدام الأمان، وتكون المرأة غالبًا في موقع ضعف شديد. وعندما يُقدِم بعض الرجال على الزواج الثاني في هذه الظروف، فإنّ الأمر لا يبقى قرارًا شخصيًا، بل يتحوّل إلى قضية اجتماعية ذات آثار عميقة، قد تمتدّ لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب، وتترك ندوبًا في الأجيال القادمة.
عصام، رجل في الأربعين من العمر، جاء يشكو ضيق الحياة في ظل غياب عائلته بسبب النزوح، وقال إنه يفكّر بالزواج الثاني من امرأة نازحة “لسترها” كما زعم. جلست معه طويلًا، وذكّرته بأنّ الستر الحقيقي لا يكون بقرارات متسرّعة، وأنّ لديه زوجة وأطفالًا يعيشون أصلًا تحت ضغط الحرب والتهجير. سألته: هل تستطيع أن تعدل بين أسرتين في هذه الظروف؟ وهل تملك القدرة المادية والنفسية لذلك؟ أليس الأولى بك أن ترعى أسرتك؟ وبعد حوارٍ صريح، أدرك أنّ فكرته كانت انفعالًا عابرًا، وعدل عنها شاكرًا النصيحة.
أما بلال، وهو شاب متأهّل ولديه طفلان، فقد نزحت زوجته مع طفليه إلى إحدى المدارس، فقرّر الزواج بحجة حاجته إلى من “تعتني به” في وحدته. تعرّف إلى فتاة —غير لبنانية_، وبدأ فعليًا بالتواصل مع أهلها. وعندما ناقشته، اعترف بأن علاقته بزوجته مستقرة، وأن أطفاله صغار ويحتاجون إليه. قلت له: إنّ الحرب تمتحن وفاء الرجال لأسرهم، لا رغباتهم الشخصية. وبعد نقاش، عاد إلى بيته، وأخبرني لاحقًا أنه صرف النظر عن الفكرة حفاظًا على استقرار عائلته.
بينما أصرّ جمال على الزواج الثاني، رغم سوء وضعه المادي، ومعاناة أسرته الأولى من النزوح، فضلًا عن مرض أحد أطفاله. حاولت نصحه مرارًا، وبيّنت له ما قد يترتب على قراره من ظلمٍ لزوجته وأطفاله، ومن مشكلات اجتماعية لاحقة، لكنه بقي على موقفه. ورغم إصراره، رفضت تزويجه، لعدم وجود ما يبرّر قراره، أو يطمئن إلى قدرته على العدل وتحمل المسؤولية.
هذه الحالات، وغيرها كثير، تكشف أننا —وتحديداً في هذه المرحلة— أمام امتحان حقيقي، امتحان الأبوة، وامتحان الرجولة… وهنيئًا لمن ينجح فيه.
إنها ليست حوادث فردية معزولة، بل مؤشرات لواقع ينبغي التنبّه له. فكثير من القرارات التي تُتخذ تحت ضغط الأزمات تكون مؤقتة في دوافعها، لكنها دائمة في آثارها.
إنّ المجتمع في زمن الحرب أحوج ما يكون إلى التضامن والتكافل، لا إلى قرارات فردية تزيد من هشاشته. فالرجولة الحقيقية في هذه المرحلة لا تكون في تعدّد العلاقات، بل في تحمّل المسؤولية، والوقوف إلى جانب الأسرة، وحمايتها من الانهيار.
فالحروب تنتهي يومًا، لكن آثار القرارات المتسرّعة قد تبقى سنوات طويلة داخل البيوت. ومن هنا، فإنّ الحكمة والتروّي في مثل هذه القضايا ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة اجتماعية لحماية الأسرة من التفكك، وصون المجتمع من أزمات نحن في غنى عنها.


