السبت، 7 مارس 2026
بيروت
12°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

كذب المنجّمون… ولو صدفوا

كارولين ياغي

في كلّ ليلة رأس سنة، يطلّ المنجّمون على الشاشات كأنّهم جزء ثابت من مشهد هذا البلد. خرائط فلكية، كواكب، تواريخ وأحداث تُسرد مسبقًا، وكأنّ المصير تحوّل إلى نصّ جاهز لا يقبل التعديل. غير أنّ هذا العام حمل إضافة لافتة: لم يعد المنجّم وحده من يتنبّأ، بل انضمّ إليه محلّلون وخبراء رأي، عبر الشاشات و”البودكاست”، بلغة أكثر مباشرة وأقلّ رمزية، يتحدّثون عن ضربة وشيكة، عن توقيتها واتجاهها، وعن سؤال بات يتكرّر بإلحاح: هل تتّجه الأمور نحو حرب في لبنان؟ ومتى؟
هنا، لا يتولّد الخوف من المجهول بقدر ما يتولّد من كثافة الكلام عنه. فالإصرار على تداول “سيناريو” “الضربة الحتمية” والتصعيد القادم يزرع في الوعي العام قلقًا دائمًا، وكأنّ الحرب لم تعد احتمالًا بل مجرّد مسألة وقت. اللبناني، المثقل أصلًا بانهيارات اقتصادية واجتماعية متتالية، يجد نفسه اليوم محاصرًا بتوقّعات الحرب ،كما حوصِر سابقًا بتوقّعات الانهيار.
القلق لم يعد مرتبطًا بالفعل العسكري نفسه، بل بما قد يليه. ماذا لو وقعت الضربة؟ ماذا لو جاء الردّ من لبنان؟ هل نحن أمام قواعد اشتباك جديدة، ؟أم أمام مشهد إقليمي مختلف عمّا اعتدناه؟ أسئلة مشروعة بطبيعتها، لكنّها تتحوّل إلى مصدر هلع ،حين تُطرَح يوميًا بلغة التهويل، وحين يُقدَّم الاحتمال وكأنّه قدر لا مفرّ منه.
ويزداد هذا القلق حين تُربط هذه السيناريوهات بخطاب إسرائيلي تصعيدي ،لا يخفي نواياه. فحين يغيب أي حديث عن ضوابط سياسية أو اعتبارات إنسانية، يبدو المشهد وكأنّ نتنياهو يتصرّف بعقلية «بعدي الطوفان»، غير مكترث بما قد ينتج عن ذلك. عقلية ترى في الدمار مرحلة عابرة، وفي التداعيات تفصيلًا مؤجّلًا، ما يفتح الباب أمام مخاوف جدّية من استثمار أي تصعيد لفرض وقائع جديدة على الأرض، قد تصل إلى حدّ احتلال أجزاء من الجنوب أو تحويله مجدّدًا إلى ساحة رسائل إقليمية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا القلق عن الداخل اللبناني نفسه. فإمكان حصول ردّ من لبنان، مهما كان حجمه أو طبيعته، يعني حتمًا الدخول في معادلات جديدة، قد تكون حدودها وسقوفها مفتوحة على المجهول. عندها، يصبح السؤال أقلّ ارتباطًا بالضربة المقبلة، وأكثر ارتباطًا بقدرة البلد على تحمّل نتائجها، في ظلّ دولة مأزومة، واقتصاد هشّ، ومجتمع أنهكته الأزمات المتراكمة.
من هنا، تصبح الكلمة فعلًا مسؤولًا. فالمشكلة ليست في التحليل بحدّ ذاته، بل في الفوضى الخطابية، وفي السباق على التوقّعات، وفي تحويل الشاشات إلى عدّاد دائم للحرب. فحين يتكرّس الحديث عن الحرب يوميًا، تقترب نفسيًا حتى لو لم تقع عسكريًا. وحين يغيب الحدّ الأدنى من ضبط الخطاب، يتحوّل القلق إلى عبء يومي يدفع ثمنه الناس قبل أيّ جهة أخرى.
على المسؤولين، في مختلف مواقعهم، أن يدركوا أثر كلماتهم ونبرتهم والرسائل التي يوجّهونها إلى الداخل قبل الخارج. لبنان لا يحتمل ترف التناقض ولا مزايدات الخطاب في لحظة بهذه الحساسية. ففي بلد هشّ، قد تكون الكلمة غير المحسوبة شرارة، وقد يكون الصمت الواعي أبلغ من سيل التحليلات.
قد لا يملك اللبناني ترف معرفة ما يحمله الغد، لكنّه يملك حقّ ألّا يُستنزَف يوميًا بسيناريوهات الخوف، وألّا يُترَك وحيدًا في مواجهة قلق يُبثّ على الهواء مباشرة.
فكذب المنجّمون… ولو صدفوا ،
يبقى الأهمّ ألّا نكذب على الناس، وألّا نتركهم أسرى الخوف، فيما الحقيقة الثابتة أنّ هذا البلد لا يحتمل حربًا جديدة، ولا طوفانًا إضافيًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...