الجمعة، 7 أغسطس 2026
بيروت
30°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لا خالق إلا الله تعالى

الحمد لله وكفى وسلامٌ
على عباده الذين اصطفى أما بعد فيقول الله تعالى في القرآن الكريم:{قل الله خالق كل شىءٍ} سورة الرعد.
وقال تعالى أيضًا:{وخلق كل شىءٍ فقدَّره تقديرًا} سورة الفرقان.
اتفقت عقيدة أهل الحق قاطبةً من متكلمين ومفسرين وحفّاظٍ ومُحَدِّثين وفقهاء ولغويين وعلماء وعوامٍّ على أن كل شىءٍ يحصل بخلق الله تعالى والشىء هو الثابت الوجود عملًا كان أو حجمًا خيرًا أو شرًا كبيرًا أو وسطًا أو صغيرًا أو عزمًا أو ترددًا وهذا شاملٌ لكل ما دخل في الوجود من حركاتٍ وسكناتٍ وأعمالٍ والنوايا جمع نيةٍ وهو العزم والخواطر جمع خاطرٍ وهو ما لا تملك منعه من أن يرد بل يهجم على القلب بلا إرادةٍ من الشخص ما كان من ذلك خيرًا أو شرًا وضلَّت المعتزلة فقالت إن أعمال العبد الاختيارية كالقيام والقعود بخلق العبد والأعمال غير الاختيارية كرعشة الخائف وجريان الدم في العروق أو الساقط من أعلى إلى أسفل بخلق العبد وقال بعضهم الشر بخلق العبد فكذَّبوا بقوليهما قول الله تعالى:{والله خلقكم وما تعملون} سورة الصافَّات. ومعناه: خلقكم وخلق عملكم وأعمال العباد خيرٌ وشرٌ وكلاهما مشمولٌ بكونه مخلوقًا وسلك الجاحظ واسمه عمرو بن بحرٍ وكان من رؤوس المعتزلة مسلكًا قبيحًا فقال كل شىءٍ بخلق الله إلا العزم ليصح التكليف ومعنى كلامه لو لم يكن العزم بخلق العبد لما صح أن يحكم الله بأن العبد مكلَّفٌ مأمورٌ بالفرائض ومنهيٌ عن المحرَّمات وكأن الجاحظ نظر فرأى الأدلة النقلية من الكتاب والسنة والعقلية متضافرةً على إثبات أن كل شىءٍ بخلق الله تعالى فلم يمكنه ردَّ ذلك فاستثنى العزم بغير دليلٍ فما أشنع ما قال
وضلَّ قومٌ فأنكروا وجود الله تعالى ومعنى كلامهم أن العالم أزليٌ لا خالق له وزعم آخرون أن الله اتحد بالعالم فالله والعالم بزعمهم واحدٌ وكلا القولين فيهما نفيٌ لخالقية الله تعالى للعالم وزعمت الفلاسفة أن العالم أزليٌ بمادته أي بجنسه وأفراده وزعم بعضهم أن العالم أزلي الجنس حادث الأفراد ومعنى قولهم هذا أن جنس الشجر قديم لا بداية له وكل شجرةٍ حادثةٌ أي مخلوقةٌ وأن جنس الأحجار أزليٌ بلا بدايةٍ وكل حجرٍ حادثٌ مخلوقٌ وهكذا وهذا الكلام سفَهٌ لا يقبله من عنده مُسْكةُ عقلٍ والعجب كيف سوَّغُوا لأنفسهم القول بذلك ومن المعلوم بالبديهة أن الجنس لا يوجد خارج الأفراد فإذا كانت الأفراد حادثةً فالجنس حادثٌ لا ريب ووافق هذا القسم من الفلاسفة ابن تيمية فقال بحوادث لا أول لها وذكر ذلك في عدةِ كتبٍ له منها: شرح حديث النزول وشرح حديث عمران والموافقة والمنهاج والكتاب المسمى نقد مراتب الإجماع وغيرها والعجب أن المنتسبين إليه يدافعون عنه وقد صنف بعضهم في الدفاع عن مقالته هذه ويسمونه شيخ الإسلام ولو قال غير ابن تيمية هذا لحكموا بكفره علمًا أن هذه المقالة ضد الدين والعقل وخروجٌ عمَّا أجمع عليه المؤمنون لأن القول بحوادث لا أول لها فيه تشريكٌ لله تعالى في صفة الأزلية وهذا تكذيبٌ لقول المؤمنين لا إله إلا الله لأن معنى التهليلة لا مبرز من العدم إلى الوجود إلا الله وبالتالي فإن كل ما دخل في الوجود فبخلق الله تعالى وبتقديره ومشيئته سواءٌ كان خيرًا أم شرًا
لكننا نقول: خلق الله تعالى الخير وأحبَّه وأمر به وخلق تعالى الشر وكرهه ونهى عنه
وزعم بعض الفلاسفة أن الله علة العالم ومعنى كلامهم أن وجود الله اقتضى وجود العالم من غير إرادةٍ منه تعالى كما يوجد المعلول بوجود العلة والعلة هي ما يوجد المعلول بوجودها ويعدم بعدمها كحركة الإصبع الذي فيه خاتم فإن حركة الإصبع علةٌ لحركة الخاتم ومعنى كلامهم كما أن الخاتم يتحرك بحركة الإصبع دون إرادةٍ من الخاتم فإن وجود الله نشأ عنه وجود العالم دون إرادةٍ من الله تعالى وكلٌ ممن ذكرنا يدافعون عن أباطيلهم المذكورة وهي ضلالٌ مبينٌ والأدلة على نقض قولهم من النقل والعقل كثيرة جدًا ويطول في سردها الكلام فمن ذلك الآيات التي مرَّ ذكرها وقوله تعالى:{إنَّا كل شىءٍ خلقناه بقدر} سورة القمر. وقوله تعالى أيضًا:{هو الأول} سورة الحديد. والأول في حق ربنا تعالى الذي لا بداية له فهو وحده الأول بهذا معنى ومعروفٌ في علم البيان إذا كان المبتدأ معرفةً والخبر معرفةً أفاد الحصر وحاصله لا أول بمعنى لا بداية له إلا الله تعالى أي وكل ما سوى الله تعالى له بدايةٌ أي مخلوقٌ وقال عزَّوجلَّ؛{قل اعوذ برب الفلق من شر ما خلق} سورة الفلق.
وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ صَانِعَ الْخَزَمِ وَصَنْعَتَهُ”رواه البخاري في “خلق أفعال العباد”
والخَزَمُ شجر يُتَّخَذُ من لحائه الحبال الواحدة خَزَمَةٌ. وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم “كل شيء بقدر حتى العجز والكيس” رواه مسلم. والعجز الكسل وضعف الهمة والكيس الهمة على فعل الطاعات.
ويدل على هذا المعنى أيضًا العقل السليم فإنه لو كان شىءٌ يجري بغير خلق الله لكان الله مغلوبًا والمغلوبية تنافي الألوهية تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وليس معنى قولنا إن الله خالق الخير والشر أنه تعالى أمر بالشر ورضي به حاشاه. قال تعالى:{قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} سورة الاعراف. وقال تعالى:{ولا يرضى لعباده الكفر} سورة الزمر. وللتقريب نقول: لو أن إنسانًا كان عنده عاملٌ مهملٌ وجاء وليُّه يسأل عنه فيقول صاحب العمل للعامل مثلًا: افعل كذا وهو يعلم أنه لا يطيعه إنما ليظهر لوليِّه عصيانه أمره. ونحن نقول: لو أن الله خلق خلقًا وأدخلهم النار لعلمه بما يكون منهم لم يكن ظالمًا لهم ولكن خلقهم وأرسل الرسل قطعًا للعذر لهم يوم القيامة قال تعالى{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏} سورة طه. واعلم أنه لولا خشية الإطالة لاستفضنا في ذلك كثيرًا ولكن في هذه العجالة مقنعٌ لمن يقنع والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

إعفاء ضابطين كبيرين من "الموساد" وضعا خطة حالمة لاسقاط النظام الايراني

كشف تقرير إعلامي إسرائيلي، مساء الخميس، بأن رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان قرر إنهاء مهام مسؤولين كبيرين في الجهاز، على خلفية إخفاق خطة عملياتية كانت تهدف إلى إسقاط النظام...

ابداع شيطاني

أفادت مصادر مطلعة بأن الأجهزة الأمنية أوقفت عدداً من موظفي الإدارات العامة في مدينة النبطية، إثر تورطهم في صياغة وترويج إشاعات مضللة منسوبة لوسائل إعلام إسرائيلية، بهدف التهرب من...

دعوة الى تطبيق قانون مقاطعة "إسرائيل" على الصحناوي ..

رجل الميليشيا أنطون الصحناوي والمبعوثة الصهيواميركيةمورغان أورتاغوس يستضيفان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وزوجته سارة خلال حفل تكريمي أقاماه في واشنطن تكريماً للسيناتور...

بين الهواية والعبث… تتهاوى المؤسسات،

إدارةُ الدولةِ سياسةٌ لا هواية فهي تقوم، قبل كلّ شيء، على احترام القوانين والأعراف والمبادئ الأخلاقية. ولسنا هنا في معرض الخوض في سياسات الحكومة وأدائها في قضايا الإقليم وتشابك...

لا يجوز نسيان الملف النووي

وفي خضم هذا كله، يجب ألّا تحيد أنظار إسرائيل عن الهدف الأساسي؛ فمضيق هرمز مهم، وحرية الملاحة مهمة، والاستقرار الاقتصادي العالمي مهم، لكن القضية المركزية، بالنسبة إلى إسرائيل، تبقى...