– تحليل علمي لمعادلة الكلفة والعائد وتأثيرها على السيادة والأمن اللبناني-
الوقائع تشير إلى أن الدولة اللبنانية تتعامل مع ملف “نزع السلاح” وكأنه شعار سياسي، لا كمشروع استراتيجي مدروس.
في عالم الاقتصاد، أي مستثمر عقلاني لن يطلق مشروعا دون دراسة جدوى (Feasibility Study) شاملة تحدد الكلفة، المخاطر، والعوائد المتوقعة.
لبنان ليس كسائر الدول؛ الانقسامات الداخلية العميقة، هشاشة مؤسسات الدولة، وضغوط الإقليم المحيط تجعل أي قرار غير محسوب محفوفا بالمخاطر الكارثية. أي خطوة غير مدروسة في هذا الملف ليست مجرد خطأ، بل قد تمثل تهديدا مباشرا للأمن الوطني والسلم الأهلي.
الجيش اللبناني: درع الوطن وشرط السيادة
الجيش اللبناني ليس مؤسسة عادية، بل هو مؤسسة وطنية جامعة تضم أبناء جميع الطوائف والمذاهب، وحافظ على استمراريته رغم كل العواصف السياسية والأمنية.
لكن، هل يمكن أن يطلب من الجيش حماية الوطن وهو بلا سلاح كاف ودون بناء استراتيجة دفاعية وهجومية؟ الوقوف معه بالشعارات وحدها لا يكفي؛ يجب توفير الموارد، المعدات، والإرادة اللازمة.
الخطوة الأولى قبل أي نقاش عن “نزع السلاح” هي تعزيز القدرة العسكرية للجيش: تسليح متكامل، تدريب حديث، وتهيئة جاهزية دفاعية وهجومية تمكنه من مواجهة أي تهديد. عندها فقط يصبح الحديث عن السيادة حقيقيا وموضوعيا.
أولا: البيئة الداخلية والخارجية – “السوق السياسي” غير مهيأ
كما يدرس المستثمر السوق قبل إطلاق مشروع، يجب على الدولة اللبنانية تقييم تحليل الأطراف المعنية (Stakeholder Analysis) والبيئة السياسية والأمنية قبل اتخاذ أي قرار مصيري.
الانقسامات السياسية والطائفية: تعقد أي قرار حساس وتجعل تطبيقه شبه مستحيل.
قدرة الجيش المحدودة: نقص العتاد والقدرة على الردع أمام القوى الإقليمية يضعف التأثير.
التهديدات الإقليمية: إسرائيل تمثل تهديدا مباشرا، والواقع المحيط يعكس ضغوطا يومية على السيادة اللبنانية.
أي محاولة “لنزع سلاح” المقاومة قبل بناء جيش قوي ومدروس ستكون مشروعا عالي المخاطر (High-Risk Project)، ولبنان معرض لفوضى أمنية واستنزاف سيادي يصعب السيطرة عليه.!!!!
ثانيا: القدرات التنفيذية – جهاز محدود ومقاومة فاعلة
غياب أدوات تنفيذية فعالة يجعل أي قرار نزع السلاح صعب التطبيق، كما تظهر تجارب انهيار مؤسسات الأمن في دول أخرى.
الجيش محدود القدرات، خصوصا في العتاد واللوجستيات.
الأجهزة الأمنية تواجه تحديات محدودة في القدرة المؤسسية، وفجوات في التنسيق.
المقاومة منذ 2000 أظهرت قدرتها على الردع وحماية الأرض، وهي عنصر فاعل لا يمكن تجاهله في تقييم المخاطر.
تجارب الدول المجاورة تعطي دروسا حقيقية:
سوريا: انهيار مؤسسات الدولة وظهور الجماعات المرتزقة والتكفيرية أدى إلى احتلال أجزاء واسعة من البلاد وفوضى شاملة.
ليبيا: بعد سقوط القذافي، غياب جيش منظم أدى إلى فوضى أمنية واقتصادية كبيرة، وهو درس مهم للبنان في تقييم مخاطر “نزع السلاح” قبل بناء قدرات دفاعية قوية.
ثالثا: الكلفة والعوائد – تقييم المخاطر
أي مشروع ناجح يوازن بين الكلفة والعائد:
الكلفة المباشرة: احتمال اندلاع صراع داخلي واسع، تهديد حياة المدنيين، انهيار مناطق كاملة…!!
الكلفة غير المباشرة: ضغوط خارجية، انهيار اقتصادي محتمل، فقدان استثمارات، ضعف دعم سياسي، تفاقم الأزمات الاجتماعية.
العائد المتوقع: محدود وغير مضمون إلا إذا ترافق مع التخطيط الاستراتيجي (Strategic Planning) لتعزيز الجيش والأمن وبناء مؤسسات الدولة بالكامل.
تحليل دراسة الجدوى (Feasibility Study) يظهر بوضوح أن الكلفة تفوق العائد، ونقطة التعادل غير قابلة للتحقق في الوضع الراهن.
رابعا: القانون والدستور
الدستور اللبناني ينص على حصر السلاح بيد الدولة، لكن ضعف التنفيذ (Weak Enforcement) يحول هذه النصوص إلى رموز قانونية بلا قوة عملية. القرارات الدولية لا توفر ضمانات فعالة لحماية السيادة.
خامسا: المجتمع – الحفاظ على التوازن
تفكيك موازنات القوة سابقًا في لبنان (1975-1990) أدى إلى صراعات استمرت 15 عاما. أي قرار “بنزع السلاح” في بيئة منقسمة يزيد التوتر الداخلي بدلا من توحيد اللبنانيين، مما يبرز الحاجة إلى التماسك الاجتماعي (Social Cohesion) وبرامج مصالحة قبل أي خطوة حساسة.
سادسا: المخاطر – تقييم شامل
داخليا: احتمالات اندلاع توترات أمنية كبيرة تؤثر على المدنيين والمرافق الحيوية.
خارجيا: تهديدات إسرائيلية متكررة وضغوط من القوى الإقليمية.
استراتيجيا: فقدان ورقة الردع يقلل قدرة الدولة على حماية سيادتها.
أي مشروع يتجاوز قدرة الدولة على إدارة مخاطره يُصنف كمشروع محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى كارثة وطنية…!!


