السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لماذا مصر؟

‏نجوى عسران

‏عشت في دول كثيرة
‏والدي (الله يرحمه) كان ديبلوماسياً وعمل فترة في الامم المتحدة في جنيف،
‏فانا من مواليد كندا ( التي احمل جنسيتها إلى جانب جنسيتى المصرية) وذهبت إلى مدارس في إيطاليا وسويسرا وعندما تزوجت انتقلت مع بعلي إلى الكويت.
‏ وفي فترة من حياتي كان لدي “خصام ” – ليس خصومة- لكن خصام مع مصر.
‏كنت لا أتحمل صخبها وفوضويتها وقسوتها.
‏لا افهم موروثاتها وثوابتها وتقبلها للكثير من الأمور، التي كانت بالنسبة لي ضد المنطق.

‏وكنت اكره كلمة “معلش”.
‏ولا اتفهم طبيعة المصريين في اختلاق الحجج والأعذار لكل تصرف خاطيء.

‏وبطبيعة الحال لا يمكن أقود سيارة في شوارعها ، حتى لا اصاب بازمة قلبية 😌.
‏هكذا كنت أراها.
‏ضغط نفسي.

‏وعشت في دول كثيرة.
‏دول يحكمها القانون لا مكان للفوضى فيها .
‏كل شيء له اطر وقوانين تحكمه.
‏دول مفيهاش “معلش.”
‏في كندا انت تمشي حسب مجموعة من القوانين والإرشادات لا تستطيع ان تحيد عنها، ولا تتمرد عليها، والا القانون الذي حماك هو نفسه الذي سيسلط عليك بلا رحمة.
‏في سويسرا انت جزء من “ترس” الساعة عليك ان تكون منضبطا تماما، لا مجال لك ان تتأخر ثانية او تسبق ثانية، حتى لا يختل ميزان الزمن. واختلال الميزان في سويسرا خطيئة لا تغتفر.
‏وفي دول الخليج بصفة عامة انت “وافد” لك ما لك وعليك ما عليك ،احترم نفسك يحترمونك اغلط مع السلامة وخد الباب في ايدك.

‏ثم كبرت.
‏وبدات احاول ان افهم مصر.
‏ما هى ليست اختياري، في النهاية بالنسبة لكل مصري “مصر” سؤال اجباري لا تستطيع ان تتجاهله.

‏كانت بداية علاقتي الحقيقية مع مصر في عام ٢٠١٠،
‏قبل “ثورة يناير” بسنة – سنتها تم تعييني مديرة مكتب مصر لقناة cnbc عربية إلى جانب مكتب الكويت.
‏وقررت ان انزل من برجي العاجي واحاول ان افهم هذه البلد التي يطلقون عليها “ام الدنيا”، ربما لانها اقدم دولة في التاريخ – او هكذا ظننت.

‏واعتقد اني أدين كثيرا إلى الدكتور احمد زويل في نصيحة قالها في احدى المناسبات التي كنت حاضرة فيها . قال:
‏”مصر… إذا نظرت اليها بالميكروسكوب حتتعب اوي.. مصر لازم تراها بالتليسكوب حتى تفهمها.”

‏وبدات ارى مصر بالتليسكوب.

‏رايت بلداً كبيراً جميلاً يستوعب كل المتناقضات التي يمكن ان تتخيلها ولا تتخيلها.
‏رايت شعباً صبوراً ، مبتسماً، ساخرا ، متقبلاً ، رحيماًغلبان قوي، فقير في ماله، غني في هويته.
‏رايت موروثات تعتقد انها بلا منطق، ولكن في الواقع هذا “اللا منطق” هو من حمل هذا البلد ليتجاوز ازمات ومحن وحروب، كان تطبيق المنطق فيها قد يدفعك إلى الجنون، ولكن اللا منطق هو نوع من البراجماتية يجعل اللا معقول مقبولاً .

‏وفهمت حكاية كان رواها لي احد المسوؤلين ، لا اعلم مدى صحتها ولكنها كاشفة: قال انه ايام الرئيس مبارك كانت مصر تعاني من ازمة مرورية حادة،
‏فطلبوا من اليابان ان ترسل فريقا يدرس شبكة الطرق في مصر لتقديم حل للازمة.
‏وحضر اليابانيون وظلوا ستة اشهر يدرسون شبكة الطرق في مصر.
‏وفي نهاية الفترة قدموا تقرير:
‏We don’t know how you do it
‏But keep doing it.
‏لا نعلم كيف تفعلونها
‏ولكن استمروا فيما تفعلون!
‏انها عبقرية اللا منطق… وسخرية مصر اللا منطقية!

‏وكانت اكبر دهشة لي الاجانب الذين يعيشون في مصر. تجد الماني ( بلد العمل ) وسويسري ( موطن الانضباط) و خليجي ( عنوان الرفاهية) كلهم يعشقون عيشتهم في مصر.
‏يرون تناقضاتها مثيرة ،وفوضويتها حرية، واللا منطق سر جمالها.
‏يرون شعبها دافيء ومنطقه الساخر يلمس لدى الكثير منهم جزءاً من إنسانية مفقودة ضاعت وسط القوانين والانضباط والرفاهية.

‏واخيرا فهمت لماذا مصر يطلقون عليها “ام الدنيا”، ليست لانها اقدم بلد، ولكن لانها ارحم بلد بعباد الله جميعا، تستقبل كل من لجأ اليها، وتحتضنه في وقت شدته وتسامح من يخطىء في حقها ،وتتحمل الغبن والجحود .. قلب الام .. حنعمل ايه😌

‏وفهمت ان كلمة “معلش” هي طبطبة المصري لنفسه ،وهي اللي مكنته ان يبقى على وجه هذه الارض الاف السنين متحملا تقلباتها ومزاجيتها وجنونها.

‏وعرفت ان مصر لازم تأخذها كده كما هي، تفهمها وتحبها، او تفضل متعالي عليها، وبصراحة انت الخسران،

‏وادركت اني اتصالحت مع مصر، اخيرا عندما قررت اني اطلع رخصة قيادة واقود سيارة في شوارعها.
‏معلش…وربنا يستر.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...