في الضاحية الجنوبية، حيث تركت الحرب آثارها على البيوت والطرقات والقلوب، كان عيد الميلاد يُشبه نسمة هواء نقي بعد عاصفة طويلة.
هنا، بين الخراب والذكريات المؤلمة، قرر الناس أن يحتفلوا، وأن يمنحوا أنفسهم ولو للحظات شعور الفرح الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه. نعم، لهذه الدرجة كانت الحاجة ماسة لمساحة فرح!
تلألأت بعض المنازل بالأضواء الملونة، وبأكاليل من الزهور والأنوار، وأصبحت شجرة الميلاد في كل منزل نقطة جذب، تتلألأ كنجمة في سماء مظلمة. الأطفال والكبار على حد سواء تسابقوا لالتقاط الصور قرب الشجرة، يضحكون ويتبادلون الابتسامات، كما لو أن كل صورة تمحو جزءًا من الحزن الذي تراكم مع السنوات.
امتدت أجواء الاحتفال إلى بعض الطرقات، حيث شهدت الشوارع والزقاق اكتظاظًا غير مسبوق، خاصة في محلات بيع الحلويات. لم يكتفِ الأهالي بشراء الحلوى، بل انتهزت بعض الأسر هذه الليلة لتحضير “اللمة الحلوة” حيث يجتمع أفراد العائلة حول مائدة مليئة بالمأكولات الشهية، يشارك في تحضيرها عدد من ربات المنزل، ويتبادلون الضحك والقصص والذكريات.
تبادل الرفاق الهدايا داخل المدارس، ووزعوا الحلويات والشوكولاتة ، وبرز تقليد “سيكريت سانتا” ليضيف لمسة من المفاجأة والبهجة في أجواء الاحتفال حتى داخل البيئات الأكثر التزاما من الناحية الدينية.فالفرح لا دين له ولا معتقد ولا اجتهاد.
لم تقتصر الفرحة على الضاحية فقط، بل امتدت إلى القرى والمناطق البعيدة، فكان البعض يقصد من أقصى الجنوب مناطق البترون وجبيل وغيرها المعروفة في زينتها المميزة للإستمتاع في جمالية هذا العيد ولينتشر الفرح بين المجتمعات المتعطشة للبهجة.
وفي كل شارع وزقاق، بدا الحزن وكأنه يتبدد مع ضحكات الأطفال الذين عادوا من مدارسهم يحملون ما لذ وطاب في حقائبهم المدرسية بعد احتفالية آخر يوم دراسي قبل بدء العطلة المدرسية.
كأن الناس يحاولون تعليق لحظات القلق والخوف حتى إشعار آخر، ويركزون على اللحظة الجميلة، على دفء العائلة، وعلى طقوس العيد البسيطة التي تعيد للقلوب الحياة.
عيد الميلاد في الضاحية الجنوبية لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل كان رسالة أمل وإصرار. رسالة تقول إن الفرح ممكن حتى في أحلك الظروف، وأن الحب والعطاء قادران على إعادة النور إلى أي قلب مظلم، وأن روح الإنسانية يمكن أن تنبت بين الركام كما تنبت الأزهار بعد المطر.
وفي تلك الليالي، بدا كل شيء ممكنًا: الضحكات، الهدايا، الأضواء، وحتى الابتسامات التي لم يعرف الناس أنها كانت ممكنة بعد كل ما عاشوه.
عيد الميلاد هنا كان أكثر من احتفال، كان نفضة غبار الحرب، وكان وعدًا بأن الحياة تستحق أن تُعاش بكل ألوانها.
فالفرح مشترك لبلد يدرك أهله وسكانه أن التعايش هو الُّلبنة الأساسية للقيام به والسد المنيع لكل ما أتى حتى لو كان عظيماً!
فلنهلل لولادة المسيح (ع) وليهلل كل منا على طريقته…


