السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
24°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

من بكين إلى الشرق الأوسط: ماذا عاد ترامب حاملاً؟

كارولين ياغي

عاد دونالد ترامب من الصين، لكن صدى الزيارة لم يبقَ محصوراً بين واشنطن وبكين. فالمنطقة كلّها، من طهران إلى تل أبيب مروراً ببيروت وغزة، كانت تراقب ما إذا كانت تلك الزيارة ستفتح باب تهدئة كبرى، أم أنها مجرد محطة جديدة في سباق النفوذ العالمي.
في الظاهر، بدت الزيارة اقتصادية وسياسية بامتياز. حديث عن التجارة، وعن التنافس التكنولوجي، وعن مستقبل العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم. لكن خلف الكواليس، كان الشرق الأوسط حاضراً بقوة، لأن الصين لم تعد مجرد شريك اقتصادي لإيران، بل تحولت تدريجياً إلى مظلة سياسية ودبلوماسية تحاول طهران الاحتماء بها في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
يعلم ترامب جيداً أن أي مواجهة طويلة مع إيران لن تكون معزولة عن الموقف الصيني. وبكين تعرف بدورها أن إشتعال المنطقة بالكامل سيهدد مصالحها النفطية والتجارية ومشروعها التوسعي العالمي. لذلك، بدا واضحاً أن الزيارة لم تكن فقط لتخفيف التوتر بين أميركا والصين، بل أيضاً لمحاولة رسم حدود الاشتباك في الشرق الأوسط.
اللافت أن واشنطن، بعد الزيارة مباشرة، رفعت منسوب الحديث عن شروط أي تفاوض مع إيران، وكأنها تريد القول إنها عادت بتفاهمات أو على الأقل بضوء أخضر يمنحها هامش ضغط أكبر. في المقابل، بدأت طهران بإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية سريعاً، عبر تعزيز قنوات التواصل مع الصين وتحريك شخصيات سياسية أساسية لإدارة هذا المسار.لكن السؤال الحقيقي ليس ما قاله ترامب في بكين، بل ما الذي تغيّر بعد عودته؟ حتى الآن، لا يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة سلام فعلي.
إسرائيل ما تزال في حالة استنفار، وغزة تشتعل، والجنوب اللبناني يعيش فوق هدنة قابلة للانهيار في أي لحظة. أما إيران، فلا تزال تتحدث بلغة الصمود أكثر من لغة التسوية.
ومع ذلك، ثمة انطباع يتشكل بهدوء:
الجميع يريد تجنب الحرب الكبرى لكن أحداً لا يريد أن يظهر بمظهر المتراجع.
هنا تحديداً يصبح لبنان أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
لأن البلد الصغير الذي أنهكته الأزمات، يجد نفسه مرة جديدة عالقاً بين رسائل القوى الكبرى. كل تفاهم أميركي – صيني قد ينعكس على طهران، وكل ضغط على إيران قد يظهر في الجنوب اللبناني، وكل تصعيد إسرائيلي يتحول فوراً إلى خوف يومي عند اللبنانيين.
الناس هنا لم تعد تهتم كثيراً بتفاصيل البروتوكولات الدبلوماسية أو الصور الرسمية.
ما يعنيها فعلاً هو النتيجة:
هل ستخفّ الغارات؟
هل ينجو الصيف اللبناني من الحرب؟
وهل يمكن لهذه المنطقة أن تتعب أخيراً من الدم؟
ربما عاد ترامب من الصين محمّلاً بتفاهمات غير معلنة، وربما عاد فقط برسائل متبادلة. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد الزيارة ليس كما قبلها تماماً. ثمة شيء يتحرك في العمق، وإن كان ببطء شديد.
أما اللبناني، فصار خبيراً في قراءة الإشارات الصغيرة ويعرف أن الحروب الكبيرة تبدأ أحياناً من تصريح، وأن التسويات الكبرى قد تولد من لقاء بدا عادياً أمام الكاميرات ورغم كل القلق، ما يزال هناك من يتمسك بفكرة بسيطة جداً: أن هذه المنطقة، بعد كل هذا الخراب، ربما تستحق أخيراً فرصة لإلتقاط أنفاسها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...

رزان أكرم زعيتر: الاستحواذ “جاب الدب على كرمنا” أمثلة من سوريا والمغرب والأردن

اقرأوا هذا المقال الاستراتيجي ، وتذكروا المناضل والمفكر القومي أكرم زعيتر هذا هو المقال الثاني الذي أكتبه عن هذا الموضوع الهام جداً بعد أن أدركت أن واجب الكلمة يوازي في أهميته...