السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من غرينلاند إلى لبنان... أوهام الضمّ… وحقائق النفوذ

كلُّ ما يُرفَضُ اليوم، قد يُصبِحُ مقبولًا غدًا… هذه العبارة تختصر الكثير من منطق السياسة الدوليّة، حيث لا تُقاسُ الأفكارُ بصدقيّتها الأخلاقيّة بقدر ما تُقاسُ بميزان القوّة والمصلحة. ومن هذا المنطلق، طُرِحَ في السنوات الأخيرة سؤالٌ بدا صادمًا للبعض: لماذا أصرّ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على فكرة ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتحدة؟ وهل يمكن، يومًا ما، أن يُطرَح سيناريو مشابه بحقّ لبنان؟

إنّ الإصرار الأميركي على غرينلاند لم يكن نزوةً إعلاميّة ولا مجرّد تصريحٍ شعبويّ، بل تعبيرًا فاضحًا عن تفكيرٍ استراتيجيّ يقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة: الموقع، والثروة، والأمن القومي. فغرينلاند تقع في قلب القطب الشمالي، حيث الممرّات البحريّة المستقبليّة، وتجاور مساحات النفوذ الروسي والصيني. كما تختزن في باطنها معادن نادرة واحتياطات طاقة تُعدّ من أثمن ثروات القرن المقبل. أمّا أمنيًّا، فالولايات المتحدة موجودة عسكريًّا هناك منذ عقود، ما جعل فكرة “الشراء” في ذهن ترامب امتدادًا لمنطق السيطرة لا اختراقًا له.

لكنّ الخطأ القاتل يكمن في إسقاط هذا النموذج على لبنان. وهنا يصبح واجبًا قول الحقيقة بلا مواربة: ضمّ لبنان إلى الولايات المتحدة غير ممكن، لا قانونيًا ولا سياسيًا ولا واقعيًا. فلبنان دولة ذات سيادة، عضو كامل في الأمم المتحدة، له دستور وحدود معترف بها دوليًا، وليس إقليمًا تابعًا أو كيانًا ذا حكمٍ ذاتيّ يمكن التفاوض على مصيره. كما أنّ كلفة ضمّ دولة مأهولة، متعدّدة الطوائف، ومأزومة سياسيًا واقتصاديًا، تفوق أي منفعة محتملة، حتّى على أعظم الإمبراطوريات.

أما ما يُثار حول الثروة النفطيّة والغازيّة في البحر اللبناني، وربما في البرّ لاحقًا، فلا يشكّل مبرّرًا لأي سيناريو ضمّ. فالدول الكبرى لا تحتاج إلى رفع أعلامها فوق الأراضي كي تستفيد من خيراتها. يكفيها أن تُمسك بالقرار السياسي، وأن تُحكِم قبضتها عبر العقود، والضغوط، وشبكات النفوذ، وتوازنات الداخل. السيطرة الحديثة لا تمرّ بالدبّابة، بل بالاتفاقيّة، ولا تُعلَن بالاحتلال، بل تُمارَس بالإدارة غير المباشرة.

وهنا تحديدًا يكمن الخطر الحقيقي على لبنان. الخطر ليس أن يُضمّ رسميًا إلى دولة أخرى، بل أن يتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة تُدار من الخارج، وأن تُستنزَف ثرواته باسم الشراكات، وتُكبَّل سيادته باسم الاستقرار، فيما يبقى شكليًا دولة مستقلّة، بعلمٍ مرفوع ونشيدٍ وطنيّ، لكن بلا قرار.

إنّ السؤال الصحيح ليس: هل يمكن ضمّ لبنان؟
بل: هل يستطيع لبنان حماية قراره وثروته قبل أن يُفرَض عليه واقعٌ لا يحتاج إلى ضمّ؟

في عالم المصالح، لا شيء مستحيل نظريًا، لكنّ الأوطان لا تسقط دائمًا بالاحتلال… أحيانًا تسقط حين تعجز عن الدفاع عن نفسها من الداخل…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...