الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مِنَ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ… إلى المجلسِ الأعلى اللُّبنانيِّ الإسرائيليِّ؟

منذ أن جُمِّدَ عملُ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ، بدأت تَلوحُ في الأُفقِ ملامِحُ مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقةِ بين بيروتَ ودمشقَ، عنوانُها الظاهرُ “الاستقلالُ الكاملُ”، أمّا باطنُها فـ“الانفكاكُ التدريجيُّ مِن محورِ الممانعةِ” تحتَ ضغطِ الخارجِ. غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ، والأكثرَ إيلامًا، هو:
هل كان المقصودُ مِن تعليقِ المجلسِ مع سورية تمهيدًا لِوِلادةِ مجلسٍ أعلى آخر… ولكن هذه المرّةَ مع “إسرائيلَ”؟

إنّ مَن يُتابِعُ تفاصيلَ الكواليسِ الدبلوماسيَّةِ، يُدرِكُ أنّ المشهدَ لا يسيرُ في فراغٍ. فكلُّ ما يُطرَحُ اليومَ تحتَ مسمّى “تثبيتِ الاستقرارِ على الحدودِ الجنوبيَّةِ”، أو “ترسيمِ الحدودِ البرِّيَّةِ والبحريَّةِ النهائيَّةِ”، لا ينفصلُ عن رؤيةٍ دوليَّةٍ تَهدِفُ إلى تحويلِ خطوطِ النارِ إلى خطوطِ تواصُلٍ، ولكن مِن البابِ الخلفيِّ، لا مِن بوّابةِ السَّلامِ المُعلَنِ.

إنّ القوى التي تُسمِّي نفسَها اليومَ “سياديَّةً”، وتُهلِّلُ لِفكِّ الارتباطِ بسورية ، لا تُدرِكُ أو لعلّها تُدرِكُ جيّدًا أنّها تُمهِّدُ الطريقَ لِارتباطٍ مِن نوعٍ آخر، ارتباطٍ صامِتٍ ومُغلَّفٍ بالشَّرعيَّةِ الدوليَّةِ.
فبدلًا مِن أن يُسمّى “مجلسًا أعلى لُبنانيًّا إسرائيليًّا”، سيُنشأ كما تُسرِّبُ بعضُ الأوساطِ كهيئةٍ تقنيَّةٍ أو لجنةٍ مُشتركةٍ لِمُتابعةِ تنفيذِ القراراتِ الدوليَّةِ، برعايةِ الأُممِ المُتَّحدةِ والوسيطِ الأَميركيِّ، ورُبَّما بواجهةٍ أُوروبيَّةٍ “مُحايدةٍ”.

لكنّ الحقيقةَ، مَهما تغيَّرت الأسماءُ، تبقى واحدةً:
إنّ أيَّ لجنةٍ دائِمةٍ تجمعُ لُبنانَ و”إسرائيلَ” على طاولةٍ واحدةٍ تحتَ بندِ “التنسيقِ الأمنيِّ أو الاقتصاديِّ” هي عمليًّا بدايةُ تطويع رسميٍّ مُقنَّعٍ، يُمهِّدُ لِتحويلِ الصِّراعِ إلى “إدارةٍ مُشتركةٍ للمصالحِ”، لا إلى صِراعٍ على الحقوقِ والسِّيادةِ.

ومِنَ المُفارقاتِ أنّ الذين يرفعونَ شعارَ “لُبنانَ أوّلًا”، سيكتشفونَ لاحقًا أنّهم جعلوا لُبنانَ آخِرًا في سُلَّمِ القرارِ الوطنيِّ، بعد أن سلَّموا حدودَه وملفّاتِه بيدِ مَن كانوما زال عدوًّا مُعلَنًا، وصارَ اليومَ “جارًا مقبولًا” بحُجَّةِ التهدِئةِ والازدهارِ.

أمّا الشَّعبُ، الذي يعيشُ ويلاتِ الانهيارِ، فقد يُخدَعُ بوهجِ الأرقامِ والمشاريعِ والوعودِ، فيظنُّ أنّ ما يُقدَّمُ له “سَلامٌ اقتصاديٌّ” هو مخرجٌ مِن أزماتِه، بينما هو في جوهرِه فقدانٌ بطيءٌ للهويَّةِ والكرامةِ والسِّيادةِ.

يا مَن تدَّعونَ السِّيادةَ، السِّيادةُ ليست برفعِ الشِّعاراتِ ولا بِمُقاطعةِ دمشقَ “السّابقةِ”، بل بالثَّباتِ على الحقِّ، وبِالجُرأةِ على رفضِ أيِّ وصايةٍ جديدةٍ تُغلِّفُ نفسَها بشعارِ “الاستقرارِ”.
فإذا كان المجلسُ السُّوريُّ اللُّبنانيُّ قد انتهى سياسيًّا، فلا تجعلوا لُبنانَ يدخُلُ طوعًا في مجلسٍ أعلى مع العدوِّ، ولو باسمٍ جديدٍ ومنديلٍ أبيضَ.

إنّ المقاومةَ والدَّولةَ معًا أمامَ امتحانٍ تاريخيٍّ: إمّا التمسُّكُ بالثَّوابتِ الوطنيَّةِ التي حفظت لُبنانَ رغمَ الجراحِ، وإمّا الانزلاقُ نحو “تطويع ناعمٍ” سيجعلُنا أسرى توقيعٍ لم يُعلَن بعدُ.

إحذروا الصَّمتَ، فإنّ ما يُصاغُ في الغُرَفِ المُغلَقةِ اليومَ، سيُعلَنُ غدًا على شكلِ “اتِّفاقٍ تاريخيٍّ” يُقالُ عنه إنّه أنقذَ لُبنانَ، بينما يكونُ قد سلَّمَه رسميًّا إلى يدٍ كانت يومًا تُضرِبُه بالنّارِ.
سيستيقظُ اللُّبنانيُّونَ ذاتَ صباحٍ ليجدوا أنّ الحدودَ التي حمتهم صارت بوّابةَ عبورٍ لِلتِّجارةِ والتطبيعِ، وأنّ المقاومةَ صارت عنوانًا مُحرِجًا يُطلَبُ شطبُه مِنَ القاموسِ السياسيِّ.
وعندها فقط، سيُدرِكُ البعضُ ولكن بعدَ فَواتِ الأوانِ أنّ المجلسَ الأعلى الجديدَ لم يُنشأ لِحمايةِ لُبنانَ… بل لِحُكمِه مِنَ الخارجِ.
فهل ننتظرُ الإعلانَ الرسميَّ؟
أم نكتُبُ نحنُ سُطورَ الرَّفضِ الأخيرةَ قبلَ أن تُكتَبَ الهويَّةُ بأيدٍ أُخرى؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...