الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
16°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مِنَ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ… إلى المجلسِ الأعلى اللُّبنانيِّ الإسرائيليِّ؟

منذ أن جُمِّدَ عملُ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ، بدأت تَلوحُ في الأُفقِ ملامِحُ مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقةِ بين بيروتَ ودمشقَ، عنوانُها الظاهرُ “الاستقلالُ الكاملُ”، أمّا باطنُها فـ“الانفكاكُ التدريجيُّ مِن محورِ الممانعةِ” تحتَ ضغطِ الخارجِ. غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ، والأكثرَ إيلامًا، هو:
هل كان المقصودُ مِن تعليقِ المجلسِ مع سورية تمهيدًا لِوِلادةِ مجلسٍ أعلى آخر… ولكن هذه المرّةَ مع “إسرائيلَ”؟

إنّ مَن يُتابِعُ تفاصيلَ الكواليسِ الدبلوماسيَّةِ، يُدرِكُ أنّ المشهدَ لا يسيرُ في فراغٍ. فكلُّ ما يُطرَحُ اليومَ تحتَ مسمّى “تثبيتِ الاستقرارِ على الحدودِ الجنوبيَّةِ”، أو “ترسيمِ الحدودِ البرِّيَّةِ والبحريَّةِ النهائيَّةِ”، لا ينفصلُ عن رؤيةٍ دوليَّةٍ تَهدِفُ إلى تحويلِ خطوطِ النارِ إلى خطوطِ تواصُلٍ، ولكن مِن البابِ الخلفيِّ، لا مِن بوّابةِ السَّلامِ المُعلَنِ.

إنّ القوى التي تُسمِّي نفسَها اليومَ “سياديَّةً”، وتُهلِّلُ لِفكِّ الارتباطِ بسورية ، لا تُدرِكُ أو لعلّها تُدرِكُ جيّدًا أنّها تُمهِّدُ الطريقَ لِارتباطٍ مِن نوعٍ آخر، ارتباطٍ صامِتٍ ومُغلَّفٍ بالشَّرعيَّةِ الدوليَّةِ.
فبدلًا مِن أن يُسمّى “مجلسًا أعلى لُبنانيًّا إسرائيليًّا”، سيُنشأ كما تُسرِّبُ بعضُ الأوساطِ كهيئةٍ تقنيَّةٍ أو لجنةٍ مُشتركةٍ لِمُتابعةِ تنفيذِ القراراتِ الدوليَّةِ، برعايةِ الأُممِ المُتَّحدةِ والوسيطِ الأَميركيِّ، ورُبَّما بواجهةٍ أُوروبيَّةٍ “مُحايدةٍ”.

لكنّ الحقيقةَ، مَهما تغيَّرت الأسماءُ، تبقى واحدةً:
إنّ أيَّ لجنةٍ دائِمةٍ تجمعُ لُبنانَ و”إسرائيلَ” على طاولةٍ واحدةٍ تحتَ بندِ “التنسيقِ الأمنيِّ أو الاقتصاديِّ” هي عمليًّا بدايةُ تطويع رسميٍّ مُقنَّعٍ، يُمهِّدُ لِتحويلِ الصِّراعِ إلى “إدارةٍ مُشتركةٍ للمصالحِ”، لا إلى صِراعٍ على الحقوقِ والسِّيادةِ.

ومِنَ المُفارقاتِ أنّ الذين يرفعونَ شعارَ “لُبنانَ أوّلًا”، سيكتشفونَ لاحقًا أنّهم جعلوا لُبنانَ آخِرًا في سُلَّمِ القرارِ الوطنيِّ، بعد أن سلَّموا حدودَه وملفّاتِه بيدِ مَن كانوما زال عدوًّا مُعلَنًا، وصارَ اليومَ “جارًا مقبولًا” بحُجَّةِ التهدِئةِ والازدهارِ.

أمّا الشَّعبُ، الذي يعيشُ ويلاتِ الانهيارِ، فقد يُخدَعُ بوهجِ الأرقامِ والمشاريعِ والوعودِ، فيظنُّ أنّ ما يُقدَّمُ له “سَلامٌ اقتصاديٌّ” هو مخرجٌ مِن أزماتِه، بينما هو في جوهرِه فقدانٌ بطيءٌ للهويَّةِ والكرامةِ والسِّيادةِ.

يا مَن تدَّعونَ السِّيادةَ، السِّيادةُ ليست برفعِ الشِّعاراتِ ولا بِمُقاطعةِ دمشقَ “السّابقةِ”، بل بالثَّباتِ على الحقِّ، وبِالجُرأةِ على رفضِ أيِّ وصايةٍ جديدةٍ تُغلِّفُ نفسَها بشعارِ “الاستقرارِ”.
فإذا كان المجلسُ السُّوريُّ اللُّبنانيُّ قد انتهى سياسيًّا، فلا تجعلوا لُبنانَ يدخُلُ طوعًا في مجلسٍ أعلى مع العدوِّ، ولو باسمٍ جديدٍ ومنديلٍ أبيضَ.

إنّ المقاومةَ والدَّولةَ معًا أمامَ امتحانٍ تاريخيٍّ: إمّا التمسُّكُ بالثَّوابتِ الوطنيَّةِ التي حفظت لُبنانَ رغمَ الجراحِ، وإمّا الانزلاقُ نحو “تطويع ناعمٍ” سيجعلُنا أسرى توقيعٍ لم يُعلَن بعدُ.

إحذروا الصَّمتَ، فإنّ ما يُصاغُ في الغُرَفِ المُغلَقةِ اليومَ، سيُعلَنُ غدًا على شكلِ “اتِّفاقٍ تاريخيٍّ” يُقالُ عنه إنّه أنقذَ لُبنانَ، بينما يكونُ قد سلَّمَه رسميًّا إلى يدٍ كانت يومًا تُضرِبُه بالنّارِ.
سيستيقظُ اللُّبنانيُّونَ ذاتَ صباحٍ ليجدوا أنّ الحدودَ التي حمتهم صارت بوّابةَ عبورٍ لِلتِّجارةِ والتطبيعِ، وأنّ المقاومةَ صارت عنوانًا مُحرِجًا يُطلَبُ شطبُه مِنَ القاموسِ السياسيِّ.
وعندها فقط، سيُدرِكُ البعضُ ولكن بعدَ فَواتِ الأوانِ أنّ المجلسَ الأعلى الجديدَ لم يُنشأ لِحمايةِ لُبنانَ… بل لِحُكمِه مِنَ الخارجِ.
فهل ننتظرُ الإعلانَ الرسميَّ؟
أم نكتُبُ نحنُ سُطورَ الرَّفضِ الأخيرةَ قبلَ أن تُكتَبَ الهويَّةُ بأيدٍ أُخرى؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...