الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
23°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نتنياهو يكتب مباحثات سلام بشروطه

د. لينا الطبال كاتبة وباحثة باريس

كانوا في حكومة فيشي يتقنون فنا واحدا: التفاوض…
كانوا يتفاوضون والدبابات الألمانية تمرّ خلفهم ومن امامهم، وتعبر جادة الشانزليزيه بثقة المنتصر…
كانوا يجلسون حول الطاولة، يعقدون جيدا ربطات اعناقهم، يرشون عطرا باريسيا خفيفا ويوقعون على الأوراق… الورقة تلو الأخرى، ثم يرفعون أعينهم بخفة ويرمشون للاحتلال في غنج سياسي…
في الضفة الأخرى، كانت هناك تلك “اللعنة” التي أطلقوا عليها حينها إرعاب او عصابات… هي نفسها التي ستُسمّى لاحقا مقاومة… كانت المقاومة الفرنسية، التي لم يتم دعوتها الى أي عشاء، وطبعا الى اي مفاوضات هي التي تدفع الدم، ويجري تهجيرها، واعدامها في الساحات، ومحاكمتها، وكانت توصم بأبشع الأسماء…
وهكذا فأنه في زمن بعيد او ربما في صباح هذا اليوم، لا فرق، فالزمن مجرد وهم… قررت حكومة فيشي أن أفضل طريقة لإنقاذ فرنسا هي الارتماء في أحضان عدو الوطن. يا لها من تضحية… ويا له من قرف!
اليوم، وفي نسخة لبنانية أكثر صفاقة او أكثر سريالية، لست أدري، يقولون لنا “الدولة هي فقط من ستفاوض”… حقاََ؟ يا للدهشة! هل هناك دولة حقاََ؟ لدينا اذاََ دولة مكتملة السيادة، متماسكة القرار وتعرف ما تريد؟
توصيف جميل، لبق، ودستوري جدا… لكنه، كما كل شيء لديكم، يبقى توصيفا منقوصا… ينقصه تفصيل صغير وربما تافه، وغير مرئي: ينقصه الواقع.
في هذا البلد العجيب، سيتم عقد مفاوضات مع العدو تحت النار… أنا هنا لا أستعمل المجاز، أنا فقط أصف الجحيم كما هو: سيأتي بنيامين نتنياهو، بوجه يشبه دائما خطة عسكرية، ليعلن بدء “محادثات سلام” مع لبنان.
سلام، يكتبه بشروطه وحده، ويديره بنيرانه وحده، ويُسوّق له الغرب كعادته، يطلب منا أن نصدق هذه المرة أنه جاد، وأن ننسى كل المرات السابقة التي كان فيها جاد أيضا…
وأنتم؟ طبعا أنتم ستقبلون… ستبتلعون هذه الإهانة بابتسامة، لأنكم ببساطة، وهنا تكمن المأساة، أتقنتم فن قبول كل شيء، حتى فناءكم.
نتنياهو يَفصُل الخرائط والحروب، يضع إيران هنا، لبنان هناك، غزة في زاوية ثالثة، ويُقنع العالم أن هذه جبهات منفصلة… لكن الحقيقة التي يعرفها حتى الأطفال في هذا الشرق المنكوب بكم:
كل حرب في هذا الشرق… هي حرب واحدة، وأن ما يجري هو تقطيع دموي لتسهيل ابادته.
وفوق كل هذه الوليمة الصهيونية من الأشلاء المبعثرة والدم، يبرز المشهد الأكثر إثارة للغثيان: هنا في لبنان من لا يزال مبهورا بنتانياهو… يراقب نصل السكين بإعجاب ويبحث للسفاح عن أسباب…
يبررون له فتكه كما لو أنهم يباركون موتنا… ويتحدثون عن ضمانات من رجل تلاحقه مذكرة اعتقال دولية كأي طريد فار من وجه العدالة، يا للمفارقة السريالية!
كيف لبلد يئنّ تحت جراحه، وجثامين ابناءه مازالت تحت الأنقاض وفي ثلاجات المستشفيات أن يثق بوعود مجرم حرب مطارد؟
انا، لا اسمّي هذا سذاجة سياسية بقدر ما هو نوع من المازوخية الوطنية التي تتلذذ بالانتحار على يد عدوها.
عذرا… في خضّم كل هذا نسيت الإجابة عن سؤالك: من يملك حق التفاوض؟
هل هو من يوقع على الاتفاقيات؟ او من يُهجَّر؟
هل هو من يتحدث؟ او من يستشهد؟
القاعدة التي لا تريدون قرأتها والمنصوص عليها بالدم في كل الحروب، تنص بوضوح لا يحتمل التأويل:
من يقاوم… هو فقط من يفاوض.
من يُقتل مرة أولى وثانية وثالثة هو من يفاوض…
ليس لأن ذلك رومانسي… لا يوجد أي رومنسية في الحروب. لكن المقاوم هو الوحيد يملك شيئََ ولا يساوم عليه: الكرامة.
المقاومة هي الابنة الشرعية لهذا التراب، ولدت من رحم الجنوب المصلوب وشموخ الشمال، وانبثقت من فسيفساء طوائفه قاطبةََ… هي حكاية البيوت التي دمرها الاحتلال، وهي صدى زغاريد الأمهات اللواتي زففن فلذات أكبادهن إلى الجبهات. هذه المقاومة لا تقبض ثمن تضحياتها من أحد، ولا تعمل في حسابات أي عاصمة… إنها تعمل لحساب واحد، وحيد، ومقدس: وطن اسمه لبنان.
أما إيران، التي يكثر الحديث عنها، فهي شئنا أم أبينا، الدولة الوحيدة التي قررت أن تدافع عن القدس … يمكن أن نختلف معها في كل شيء، إلا في هذه النقطة:
أنها لم تفاوض على القدس… بينما الآخرون تفاوضوا حتى على أسمائها.
ها نحن نعود مجددا إلى حكومة فيشي:
هناك دائما من يتفاوض…وهناك دائما من يقاوم.
الأول، المهووس بالبقاء، ينحني فوق الطاولات ليوقع الاتفاقات… ويبصم على كل شيء مقابل وعود بنجاة قد تشبه الموت.
أما الثاني، فهو من يدفع فاتورة أفعال الصنف الأول…
لكنه ويا للسخرية الجميلة يبقى الوحيد الذي يكتب التاريخ.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

صدق او لا تصدق

قال القيادي الفلسطيني البارز ناصر القدوة : ان الذين يرشحون ياسر ابن محمود عباس لقيادة منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة الفلسطينية…يعلمون ان ياسر ، لم يكن يوماً عضواً في حركة فتح ،...

من رسالة السيد عبد الحسين شرف الدين إلى رئيس الجمهورية بشارة الخوري،وذلك أمام تخلِّي لبنان الرسمي عن جنوبه إلى إسرائيل منذ عام 1948 وتركه لمصيره يُكابد المآسي، ومما جاء فيها: إن...

ثروة الخامنئي كما اعلنتها ايران

تم حصر ثروة المرشد السابق للجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي كما يلي : -سيارة حمل صغيرة لا عقارات، لا حسابات بنكية، لا قصور ولا شركات ولا أرصدة مخفية. ٤٧ سنة قائداً في...

قوى الأمن الداخلي السورية تلقي القبض على العميد علي خير بك، مدير سجن صيدنايا سابقاً والمتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين أفضت لحدوث الاستعصاء الشهير عام 2008. وارتبط اسم...

جاري ملاحقة فلول الاسد وضباطه الذين فروا الى اوروبا

المتحدث باسم الداخلية السورية للإذاعة السويدية : -تم ارشفة جميع ملفات الاجهزة الامني السورية في حقبة الاسد و اصبحنا نملك المعلومات الكاملة عن جميع ضباط الاسد المقيمين باوروبا -أي...

ترشيح الديبلوماسي السوري د.جهاد مقدسي ليكون سفيرا للجمهورية العربية السورية في مصر وأيضا لدى جامعة الدول العربية وذلك بعد رفض مصر قبول ترشيح اسم السيد مدير إدارة الوطن العربي محمد...