الخميس، 23 يوليو 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عبد الناصر... مدرسة في مقاومة الاستعمار ونصرة فلسطين

في الثالث والعشرين من تموز من كل عام، تستعيد الأمة العربية واحدة من أكثر المحطات تأثيراً ‏في تاريخها الحديث، يوم انطلقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، ليس بوصفها ‏حدثاً مصرياً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً نهضوياً عربياً تجاوز حدود الجغرافيا، وحمل في ‏جوهره رسالة التحرر والكرامة والوحدة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني‎.‎
لقد ارتبطت الثورة باسم قائدها الرئيس جمال عبد الناصر، الذي لم يكن زعيماً لمصر وحدها، بل ‏أصبح رمزاً عربياً وعالمياً لمقاومة الاستعمار ورفض الهيمنة الأجنبية، ورافعاً لواء حق الشعوب ‏في تقرير مصيرها. فقد آمن بأن استقلال الأوطان لا يكتمل إلا بتحرير إرادة الإنسان، وأن العدالة ‏الاجتماعية أساس الاستقرار، وأن الوحدة العربية ليست شعاراً عاطفياً، بل ضرورة تاريخية لحماية ‏الأمة وصون مقدراتها‎.‎
ومن المبادئ التي قامت عليها الثورة القضاء على الاستعمار وأعوانه، وإنهاء الإقطاع والاحتكار، ‏وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإطلاق ‏مشروع تنموي يضع الإنسان في صلب عملية البناء. وهي مبادئ لا تزال، رغم مرور العقود، ‏تحتفظ براهنيتها في ظل ما تعيشه الأمة العربية من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما ‏تواجهه من محاولات تفتيت وإضعاف واستنزاف لمقدراتها‎.‎
لقد وقف جمال عبد الناصر في مواجهة الاستعمار بكل أشكاله، سواء كان احتلالاً عسكرياً ‏مباشراً أو نفوذاً سياسياً واقتصادياً يهدف إلى السيطرة على القرار الوطني. وكانت معركة تأميم ‏قناة السويس عام 1956، ثم التصدي للعدوان الثلاثي، من أبرز المحطات التي أثبتت أن إرادة ‏الشعوب قادرة على الانتصار عندما تتوفر القيادة المؤمنة بقضاياها، والإرادة الشعبية الملتفة حول ‏مشروعها الوطني‎.‎

كما لم تقتصر مواقفه على الوطن العربي، بل امتدت إلى دعم حركات التحرر الوطني في آسيا ‏وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وأسهم في ترسيخ حركة عدم الانحياز، لتكون منبراً للدول الساعية إلى ‏الاستقلال بعيداً عن هيمنة المعسكرات الدولية، مؤمناً بأن الحرية لا تتجزأ، وأن مقاومة الظلم حق ‏مشروع لكل الشعوب‎.‎
أما القضية الفلسطينية، فقد كانت في قلب مشروعه القومي، ولم ينظر إليها باعتبارها قضية ‏شعب فلسطيني وحده، بل قضية الأمة العربية بأسرها. وكان يرى أن فلسطين تمثل معيار الكرامة ‏العربية، وأن التفريط بها هو تفريط بمستقبل الأمة وهويتها. ولذلك بقي دعم الشعب الفلسطيني ‏ومقاومة الاحتلال ركناً ثابتاً في سياساته ومواقفه، مؤمناً بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن ‏الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن‎.‎‏ وما إطلاق اللاءات الثلاث في القمة العربية في السودان ‏المنعقدة بتاريخ 1‏‎ ‎أيلول/سبتمبر 1967 “لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض” الا لتأكيد قواعد ثابتة ‏بوجه العدو الصهيوني.‏
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على انطلاق الثورة، تبدو الأمة العربية أحوج ما تكون إلى ‏استعادة جوهر تلك المبادئ، لا إلى استنساخ ظروف الماضي، بل إلى استلهام قيمه. فالواقع ‏العربي الممزق، وما يحيط به من تحديات ومشاريع تستهدف وحدته وسيادته وثرواته، يفرض ‏العودة إلى ثقافة الاعتماد على الذات، وتعزيز التضامن العربي، وبناء مشروع تنموي مستقل، ‏وإحياء مفهوم الأمن القومي العربي بمضمونه الشامل‎.‎
غير أن التجارب التاريخية تعلمنا أن الأمم لا تبنى بالأفراد مهما عظمت مكانتهم، وإنما تبنى ‏بالشعوب الواعية والمؤسسات الراسخة. لقد غاب جمال عبد الناصر جسداً، لكن المبادئ التي ‏حملها لا ينبغي أن تغيب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكوين كتلة شعبية عربية واعية، تمتد من ‏المحيط إلى الخليج، تؤمن بوحدة المصير، وتتمسك بالثوابت القومية، وتدافع عن استقلال القرار ‏العربي، وتضع القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها، وتكون قادرة على حمل مشروع النهضة ‏جيلاً بعد جيل، بعيداً عن الارتهان للخارج أو الانقسام الداخلي‎.‎

إن هذه الكتلة الشعبية ليست بديلاً عن الدولة، بل هي الحاضنة الحقيقية لأي مشروع إصلاحي ‏ونهضوي، وهي الضمانة لاستمرار المبادئ مهما تغيرت القيادات وتعاقبت الأجيال. فالأفكار ‏العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، وإنما تحيا بإيمان الشعوب بها، وتحويلها إلى ثقافة وسلوك ‏وعمل يومي‎.‎
إن إحياء ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الماضي أو ‏تمجيد الشخصيات، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بقيم الحرية والعدالة والسيادة ‏والوحدة، والعمل من أجل مستقبل عربي أكثر قوة وتماسكاً. فالأمة التي تمتلك تاريخاً حافلاً ‏بالتضحيات والإنجازات، قادرة، إذا توفرت الإرادة الشعبية والرؤية المشتركة، على استعادة دورها ‏الحضاري وصناعة مستقبل يليق بأبنائها‎.‎

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المناطق التجريبية في الجنوب اللبناني: بين مقتضيات الأمن ومعيار السيادة

في العلوم العسكرية، لا تُقاس قيمة أي ترتيبات أمنية بالشعارات التي ترافقها، وإنما بمدى اقترابها من تحقيق الهدف الاستراتيجي الأعلى للدولة. وفي الحالة اللبنانية، لا يوجد هدف أعلى من...

وكان معي جمال عبد الناصر في أفريقيا و مطارصنعاء

لم اذهب إلى مكان ما على وجه الأرض إلا وقد وفر لي عبد الناصر قدرا من التقدير والإحترم  كوني مصريا أنتمي إلى بلد الزعيم ، وفي مواطن كثيرة بكيت من محبة أهل الأرض لهذا الرجل.. في مطار...

الفلسطينيون والقلق من خلافة عباس

من خلال طول أمد رئاسة الزعيم التاريخي ياسر عرفات، وكذلك طول أمد خليفته محمود عباس، اعتاد الفلسطينيون، فيما يبدو، ديمومة حكم الرجل الأول، مع إقرارهم بالفوارق الشخصية والموضوعية بين...

بعد الطرح الألماني… ملحم خلف: المطلوب ليس تغيير القوات بل الحفاظ على مرجعية الأمم المتحدة

مع اقتراب انتهاء ولاية قوات اليونيفيل في جنوب لبنان في 31 كانون الأول المقبل، وبعد الاجتماع الألماني – الفرنسي، طرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إنشاء قوة تابعة...

دقت ساعة الحرب الأوسع

قبل أسابيع طويلة نسبيا ، وبتاريخ 6 يونيو 2026 ، توقعنا أننا “ذاهبون إلى حرب أوسع” فى مقال حمل العنوان نفسه ، وقبل أيام ، بدأت الحرب الموعودة ، صحيح أنها اختلطت هذه...

عندما تبدأ الإمبراطورية الاميركية بمراجعة مشروعها في الشرق العربي والإسلامي

لا تكمن أهمية المقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مع جو روغان في الجدل الذي أثارته تصريحاته حول جيفري إبستين، ولا في السجال الإعلامي الذي تبعها، بل في أنها كشفت...