السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نهايات القادة… وفضيحة العدالة في النظام الدولي

لم يَعُد سقوط القادة في النظام الدولي المعاصر يُقاس بما ارتكبوه من أفعال، ولا بحجم ما ألحقوه من دمار أو قمع، بل أصبح يُدار وفق معادلةٍ أكثر برودة وخطورة: معادلة الكلفة والوظيفة والقدرة على الاحتواء.
فالعالم لا يُسقِط الأنظمة لأنّها ظالمة، ولا يُنقذها لأنّها عادلة، بل لأنّها إمّا مفيدة، أو خطرة، أو خرجت عن دورها المرسوم.
من هنا، لا يمكن فهم لماذا أُعدم صدام حسين، وقُتل معمر القذافي، ونُفي زين العابدين بن علي، وأُبعد حسني مبارك، وسُمح لشاه إيران بالموت في المنفى، ولماذا لم يُسقَط بشار الأسد عسكرياً، ولماذا يُستهدف قادة المقاومة بالاغتيال… إلا إذا فُكِّك منطق النظام الدولي نفسه.

أولاً: الرؤساء داخل النظام… السقوط المُدار
زين العابدين بن علي لم يكن رئيساً متمرّداً على النظام الدولي، بل كان جزءاً وظيفياً منه. وعندما انتهت صلاحيته، لم تُفتح بحقه محاكم دولية، ولم يُقتل، بل فُتح له ممرّ خروج آمن إلى المملكة العربية السعودية. لم يكن ذلك رحمة، بل صفقة صامتة: خروج بلا ضجيج، مقابل صمتٍ بلا أسرار.
الأمر نفسه ينطبق على شاه إيران. فعلى الرغم من سقوطه المدوي، لم يُقتل ولم يُحاكَم، لأن قتله كان سيُحرج المنظومة التي صنعته وحمته لعقود. أُخرج من المشهد، تُرك يتنقّل، ثم مات سياسياً قبل أن يموت جسدياً.

أما حسني مبارك، فكان المثال الأوضح على الإزاحة الناعمة. خدم التوازنات الإقليمية، واحترم الخطوط الاستراتيجية الكبرى، فكان المطلوب فقط تغيير الواجهة، لا كسر الدولة. جاءت المحاكمات شكلية، وانتهى الرجل خارج الحكم، لا خارجه النظام.

ثانياً: الرؤساء الخارجون عن الطاعة… العقاب الكامل
صدام حسين خرج نهائياً عن قواعد اللعبة. لم يعد قابلاً للاحتواء، ولا للتوظيف. فكان القرار: الاقتلاع الكامل.
أُعدم صدام لا بوصفه ديكتاتوراً، بل بوصفه رسالة.
وقُتل عدي وقصي ليس انتقاماً، بل قطعاً لأيّ استمرارية محتملة.
أما معمر القذافي، فكان حالة أكثر خطورة. لم يُرَد له أن يُحاكم، لأن المحاكمة تعني كلاماً، والاعترافات تعني فضحاً. فكان القتل الفوضوي، السريع، غير المنضبط، هو الحلّ الأمثل. لم يكن الهدف العدالة، بل الإلغاء.

ثالثاً: لماذا لم يُسقَط بشار الأسد؟
لأن إسقاطه لم يعد قراراً أحادياً.
تحوّل النظام السوري إلى عقدة توازن دولي وإقليمي.
وأيّ محاولة لاعتقال رأس النظام أو تصفيته كانت ستفتح حرباً تتجاوز سورية . فانتقل الهدف من “إسقاط النظام” إلى “تجميد الصراع”، ومن الإطاحة إلى الاحتواء القسري.
وهنا تتجلى القاعدة الذهبية:
ليس كل من يُراد إسقاطه يُسقَط، بل من يمكن إسقاطه دون كلفة انفجارية.

رابعاً: قادة المقاومة… ولماذا الاغتيال؟
هنا نخرج من منطق الرؤساء، وندخل إلى فئةٍ مختلفة تماماً.
قادة المقاومة، وفي طليعتهم السيد حسن نصر الله وقادة حزب الله، لا يُنظَر إليهم كقادة دول، ولا كأطراف سياسية قابلة للتسوية. في منطق خصومهم، هم قادة تأثير ميداني وعقائدي مباشر، لا يمكن نفيهم، ولا محاكمتهم، ولا تدجينهم.
الاغتيال هنا ليس عقوبة، بل أداة إدارة صراع.
لا منفى يوقف تأثيرهم.
لا محكمة تحتوي خطابهم.
لا صفقة تنهي قدرتهم على التعبئة والردع.
ولهذا يصبح القتل، في الحسابات الباردة، أقل كلفة من بقائهم أحياء، ما لم يكن ميزان الردع قائماً، وما لم تكن كلفة الاغتيال أعلى من نتائجه.

خامساً: منطق واحد… أدوات متعددة
النظام الدولي لا يُخطئ في تقدير مصير القادة، بل يختار الأداة المناسبة لكل حالة:
النفي لمن خدم وانتهى دوره
المحاكمة الشكلية لامتصاص الغضب
الإعدام لمن خرج عن السيطرة
القتل الفوضوي لمن يعرف أكثر مما يجب
الحماية أو التجميد لمن يُشكّل إسقاطه خطراً أكبر من بقائه
والاغتيال لمن لا يمكن احتواؤه

في هذا العالم، لا يُحاسَب القادة لأنهم مجرمون،
ولا يُحمى القتلة لأنهم أبرياء، بل يُدار الدم بميزان المصالح.
ومن يظنّ أن النظام الدولي يبحث عن العدالة، فهو لم يفهم بعد أن العدالة ليست أداة حكم، بل عبئاً لا يُستخدم إلا عندما يخدم القوة.
الدول لا تسقط أخلاقياً… بل تُسقَط وظيفياً.
والقادة لا يُقتلون لأنهم أسوأ،
بل لأنهم لم يعودوا قابلين للاستخدام.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...