الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نوبة هلع في مصعد...

في المصعد الكهربائي أشخاص مستعجلون ،كل واحد منّا ينتظر باب طابق لملاقاة مريض متعب .
لا يرقد في المستشفى غير المهددين بصحّتهم.
كل واحد ينظر إلى الآخر ،ولا يرى غير ازمته الخاصة،السمين الواقف إلى جنبي الأيمن يتأمل النحيل الواقف إلى يساري ،الأصلع ينظر إلى الرجل الكثيف الشعر،القصير يمتّع نظره بشابة طويلة القامة.
تظنّنا ننظر إلى الازرار المرقّمة المضاءة عند حافة باب المصعد ،الا اننا في الحقيقة ننظر إلى بعضنا البعض بتأفف بإنتظار انتهاء الرحلة.
كل واحد منّا مقتنع ان الآخر مصدر إزعاج.
أسوأ الرحلات تلك التي تجمعنا بأشخاص لم نخترهم،تلزمنا بهم الضرورة ولو لثوان.
الا ان للأقدار والكهرباء والأسلاك رأي آخر،توقف المصعد، وانطفأ الضوء بعد صدور ضجيج مباغت مع اهتزاز الحجرة بنا.
صمت لا تخرقه غير الانفاس ثم سماع الرجل عند زاوية المصعد يلعن شركة الكهرباء ،ليصيح له آخر ان المسؤول ليس غير مولّد الكهرباء الخاص بالمستشفى.
أحدنا طمأن الجميع أن الازمة لن تطول لأن هناك مختصون سيسعفون الجميع بسرعة، الا انه أنهى كلامه بشتم السياسيين.
لماذا السياسيين؟
لا اعرف.
لم تطمئن المرأة الأنيقة امامي،لم يعجبها المشهد ،سمعنا جميعا صوت انفاسها المتسارعة حتى اننا سمعنا خفقان قلبها الموجوع.
صاحت انها تعاني من نوبة هلع ،وبحال لم يُفتح الباب بأي طريقة ستغيب عن الوعي.
قالت ذلك وقد بدأت بفك ازرار ياقة قميصها، ثم أنزلت حقيبة اليد على الارض وبدأت قواها تتلاشى رويدا رويدا، إلى ان مالت بجسمها نحوي فبادرتها وبسرعة الحاذق بحبة من دواء “الكسانكس” في فمها كانت في جيبي ليس بالصدفة إنما لمهمات مستحيلة واحتضنتها.
سألت فأجبتها عن اسم الدواء فارتاحت واستوضحتني بعينين تبحثان عن أمل:
-ما هي مهنتك؟
–طبيب
-جيّد ا،ساعدني ارجوك!ما اختصاصك؟
–طبيب نفسي.
-رائع ،في العسر يسرا يا حكيم ،ساموت من الخوف ماذا علي ان افعل؟هل سنختنق؟
–تنفسي بهدوء وارخي عضلات جسمك ،لا تخافي لن تسقطي لأني أحضنك .

هنا صفّق الجميع مع ابتسامة امل،ظننت التصفيق لنا نحن الاثنين الا اني انتبهت ان المصعد عاد واسترد وعيه، فانار الحجرة واكمل صعوده ثم توقف ،وفتح الباب ليخرج الجميع حتى إلى الطابق الخطأ.
فجأة اختفى الجميع حتى المرأة الجميلة الأنيقة المرعوبة،ما إن لاح الضوء والحرية حتى لملمت جسمها وانطلقت.
لم اسمع كلمة “شكراً” من احد.
لم أفعل شيئا لأُشكر عليه إنما الا يكفي اني حضنتها؟
الخلاص والنجاة لا يحترمان الاخلاق، ولا يقيمون وزناً للمنقذ.
أسوأ ما في الحياة خارج المصعد ان تضحياتنا تنساها الناس ،وانا لم أضحِّ إنما نرجسيتي لا ترضى الا بشكر مع قبلة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...