في أحضان بلدة دير الأحمر، تستلقي بلدة الكنيسة، ( هكذا تلفظ بفتحة على النون ، شدة على الياء ) متوسّطة البلدات المجاورة: إيعات، مقنة، وريحا، ..راسمةً مشهدًا حيًّا من التعايش الإسلامي – المسيحي. هناك، حيث يلتقي الجبل بالسهل، ويحمل الهواء عبق التراب والأشجار، يعيش الناس في انسجام عميق، يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، ويحتفلون بمناسباتهم الدينية والوطنية معًا. وتبقى أصوات الأجراس وأناشيد المصلّين متناغمة مع همس الرياح المثقلة بالبخور والمحمَّلة بالصلوات، حتى يخال للمرء أن البلدة كلّها تنبض بالسلام والوئام وبركات سيدة بشوات (العذراء مريم عليها السلام).
الكنيسة، هذه البلدة الخارجة عن -رعاية- القانون، تُعدُّ واحدة من أكثر مناطق البقاع حرمانًا؛ فلا قانون ينصفها، ولا نظام يضمن لأهلها حقوقهم الأساسية. تبدو كأنها خارج أي منظومة تمنح الإنسان أبسط حقوقه، بما فيها التعليم والعيش الكريم، في ظل إهمال مزمن وممنهج. هناك، حيث يعاني السكان لتأمين حاجاتهم الأساسية، يصرّون على الرغم من كل شيء على البقاء، وزرع الأمل في أرض قاسية، وصناعة الصمود من رحم الحرمان.
هي البلدة المتمرّدة على قسوة الحياة، المتمسّكة بعزيمة أهلها الذين يرفضون الانكسار أمام اليأس، متحدّين الفقر والتهميش السياسي والاقتصادي والأمني. كما تتمسّك بلبنانيتها ووطنيتها وعروبتها، وبعاداتها وتقاليدها العشائرية الأصيلة، حاملةً إرثًا من الكرامة
ومن بين هذه المعاناة، وُلدت حكاية نوح زعيتر؛ الشاب الطموح الذي سعى، مثل كثيرين من أبناء جيله، لتحقيق حلمه. درس، واجتهد. غير أن الواقع المأساوي الذي كان يعيشه لبنان عمومًا، والبقاع والكنيسة خصوصًا، في ظل هيمنة النظام السوري البائد، حال دون أن يكمل نوح بسفينته العائمة لينتهي به المطاف راسياً في أفقٍ مظلم، بعدما تلاطمت به أمواج الفساد والمحسوبية والظلم. خلع ربطة العنق واختار – وفق نظرة الناس إليه – قبعة “روبن هود”، بعد أن عُرف بمساندة الفقراء والمحتاجين من أبناء منطقته، ليعود إلى قريته في الكنيسة البقاعية فارًّا من العدالة… وأيّ عدالة تلك التي تُقصي الحقوق وتجهض الأحلام؟
ارتباط أهالي المنطقة بنوح زعيتر لم يكن مجرد ارتباط عشائري أو عاطفي، فكم من الخارجين عن القانون لفظهم المجتمع. ما ميّزه في نظرهم هو أخلاقه العالية وطريقة تعامله الإنسانية، ولا سيما مع الفقراء، إضافة إلى ما يعتبره كثيرون ظلمًا تعرّض له، دفعه للخروج عن القانون وفق تصنيف الدولة، بينما رآه بعض السكان ثائرًا على الظلم والحرمان.
يقول أحمد، أحد شباب المنطقة: “برأيكم ماذا يفعل شاب وُلد في بعلبك ـ الهرمل المحرومة من كل الخدمات .. فلا مصانع أو مؤسسات أو فرص عمل؟ ومن تسنى لهم العلم فشهاداتهم معلّقة على الجدران… والمنطقة محرومة، والناس محرومون… ليس لنا إلا الله”.
ويتنهد، كأن على صدره جبالًا من الهمّ، قبل أن يضيف: “أمسكوا نوح… ثم ماذا؟ هل هذه هي المشكلة؟ المشكلة أننا من دون دولة، او مؤسسات، للأسف”.
وتقول سارة، من بيروت: “قصة نوح ليست قصة شاب خلق ليكون تاجر مخدرات، بل قصة شاب حاول، واجتهد، وتعلّم، وصدمه نظام أمني فاسد، وريث حرب أهلية لم تنتهِ آثارها. وجد نفسه فجأة في مواجهة العدالة نفسها التي تبحث عن مخارج للعملاء والإرعابيين والناهِبين، وتطلق سراحهم… فيما تُصرّ على مطاردة نوح. نعم، يجب أن يُحاسَب، لكن يجب كذلك محاسبة من أوصلَه إلى هذا الطريق، ومن يدفع كثيرين من شبابنا إلى المصير ذاته”.
في المقابل، يرى موسى أن توقيف نوح يمثّل تطبيقًا للقانون وبسطًا لهيبة الدولة.
لا شك أن قصة نوح زعيتر تُجسّد ظلمًا وحرمانًا متجذّرين في منطقة بعلبك – الهرمل، ولا شك أنه لم يكن ليهرب لو وجد دولة ترعى حقوق أهله. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا بأن يحمل العهد الجديد مشاريع حقيقية تنصف المظلومين، وترفع الحرمان، وتعالج أوضاع السجناء والمطلوبين. ولا أظن أن ما ارتكبه نوح وأمثاله أخطر ممّا ارتكبه الذين نهبوا الدولة، وهربوا أموال المودعين، ودمّروا مؤسساتها، وهمّشوا دورها، وأفشلوا مشاريعها، ورهنوا أنفسهم للخارج… بل إن بعضهم قدّم للعدو ما لم يحلم به يومًا.
وبعد
ليس مطلوباً تبرئة نوح ، بل ملاحقة الناهبين ايضاً . . ومحاسبة كل خارج عن القانون ، سواء كان رئيساً او وزيراًاو مرتشياً وسارقاً اياً تكن الصفة التي يحملها او المسؤولية التي يتولاها


