.
مع نهاية عام وبداية عام جديد ودعت مصر أحد أبرز رموزها الثقافية المعاصرة .. الأستاذ الأكاديمي والكاتب والناقد والمفكر ومشيد الصروح الثقافية وزير الثقافة الأسبق الدكتور جابر عصفور ( 25 مارس 1944 – 31 ديسمير 2021 ) ، والذي غيبه الموت بعد صراع مع المرض ، وقد شيعت جنازته في اليوم التالي من جامعة القاهرة حسب وصيته مثلما كان الحال مع أستاذه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين النموذج والمثل الأعلى له ، وقد نعته العديد من المؤسسات الثقافية العربية مؤكدين على إنه كان واحدا من كبار النقاد والفاعلين الثقافيين في مصر والعالم العربي، وكان أستاذاً جامعياً وباحثاً أكاديمياً ومشرفاً ومسؤولاً ووزيراً وإنساناً استطاع أن يؤسس لتجارب جديدة وينهض بالثقافة والتنوير ويدافع عن حرية التعبير .
.
تخرج جابر عصفور في كلية الآداب بجامعة القاهرة قسم اللغة العربية عام 1965 وهو يعد من أبرز النقاد المصريين وأستطاع أن يحفر لنفسه مكانة متميزة في تاريخ الثقافة العربية ، ويرى فيه الكثير إنه الإمتداد الطبيعي لمدرسة النقد المصرية الحديثة المتوهجة، والتي كان لها الفضل في ظهور ولمعان وتطور معظم المدارس الأدبية والمسرحية والسينمائية الشعرية والنثرية العربية في القرن الماضي والتي كان من روادها محمد مندور وعلي الراعي وعبد القادر القط وعبد المحسن طه بدر وعبد المنعم تليمة و رجاء النقاش ، وقد بلغت مؤلفات عصفور النقدية أكثر من أربعين مؤلفا ، بجانب عشرات الترجمات ومئات المقالات ، و قد خاض عصفور الكثير من المعارك الثقافية مساهما في معارك الدولة ضد الجماعات الدينية المتشددة في كتاباته العديدة ،
.
وقد شغل العديد من المناصب الثقافية كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة ( 14 عاماً ) و مؤسساً ومديراً للمركز القومي للترجمة و زيراً للثقافة مرتين، ويذكر له إنه أعاد النشاط لحركة الترجمة المصرية بترجمة أحدث ما أبدعه الفكر الانساني، والتي كانت قد طمستها فترة السبعينات التي أنتجت أكثر ما كرهه عصفور ألا وهو هيمنة التيار الرجعي ( الإخواني والوهابي ) علي العقل المصري ، فالإنتاج الفكري الغزير للدكتور جابر عصفور يضعه رائدا من رواد التنوير في مصر ، ومن مؤلفاته الهامة في هذا : ( محنة التنوير و أنوار العقل و زمن الرواية وغواية التراث والنقد الأدبي والهوية الثقافية ونقد ثقافة التخلف وتحديات الناقد المعاصر وزمن جميل مضى وفي محبة الشعر وهوامش على دفتر التنوير ) .
.
الدكتور جابر عصفور شاهد علي العصر الناصري فهو نتاج تلك المرحلة ودائما ما كان يقول
أنا من أسرة فقيرة ولولا جمال عبد الناصر لما وصلت لما أنا فيه ، فأنا أنتمي إلى أسرة فقيرة تمكنت من سداد مصاريف دراستي الجامعية بشق الأنفس في الترم الاول ومع نهايه الترم التاني في ظل وجود مجانيه التعليم التي اعلنها وطبقها الزعيم جمال عبد الناصر تمكنت من إتمام المرحلة الجامعية بسلام، وهذا لا ينطبق على فقط بل على ملايين مثلى.. فلولا عبد الناصر ما كان هناك جابر عصفور .. فقد تعلمت بالمجان وعندما ظلمت بعد أن تخرجت من الجامعة بتفوق ولم يتم تعيني معيدا وشكوت إليه أنصفني ورد لي حقي .
.
ويضيف تخرجت من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1965بتفوق وحصلت على المركز الأول على جميع أقسام اللغة العربية بمصر ، ورغم ذلك لم يتم تعييني معيدا بالكليه نظرا لخلاف الاساتذة فيما بينهم على أولوية التعيين وتم إرجاؤه مما دفعني للبحث عن عمل كمدرس للغه العربيه فتقدمت لاختبارات المدرسين واجتزتها بتفوق ، و لكني فوجئت بتعييني بمدرسة إعدادية بقرية «طبهار» وهي قرية بعيدة جدا بأقاصي الفيوم ( لأن المسئول عن التعين بالوزارة كان درعاميا متعاطفا مع خريجي دار العلوم ومتعصبا ضد أقرانهم من خريجي كليات الأداب) وكان المكان لا يوجد به سكن جيد ولا تتوفر فيه أي إمكانيات .. فجلست بجوار بواب المدرسة أبكي حظي ، وسمعت وقتها خطابا للرئيس جمال عبد الناصر عن العداله الاجتماعيه .
فسارعت بكتابة خطاب غاضب إليه أشكو فيه الظلم الذي تعرضت له منذ رفض تعييني بالجامعة .. وأطالبه بحقي تطبيقا للعدل الذي ينادي به وأرسلت الخطاب بالبريد العادي لرئيس الجمهورية ، إلي أن فوجئت ذات يوم برسول يطلب مني التوجه لمقابلة ( الدكتورة سهير القلماوي ) عميده الكليه في ذلك الوقت للضرورة وأسرعت للقائها، لتفاجئني بالتهنئة على تعييني معيدا في الجامعة بقسم اللغة العربية وطلبت مني التوجه لرئيس الجامعة فأسرعت إليه .. لأفاجأ بحفاوة بالغة من مدير مكتبه الذي كان يطردني من قبل ، وفوجئت برئيس الجامعة يخرج لي بنفسه مرحبا .. «أهلا بابني.. وسمييّ» باعتباري أحمل نفس اسمه ( جابر جاد عبدالرحمن ) وعرفت منه، أن الرئيس عبد الناصر أرسل شكواي إلى وزير التعليم العالي وأمر بالتحقيق فيها وتعييني فورا .. فأخذت أبكي من الفرح لأن أمنيتي الأولى تحققت وأصبحت أستاذا جامعيا .
.
و يؤكد الراحل الدكتور عصفور أن تعيينه فى الجامعة جاء بتأشيرة من جمال عبد الناصر وجميع من رفضوا مقابلتى من أجل عرض شكواى عليهم قابلونى بحفاوة شديدة، ومن يوم 16 مارس 1966 استلمت تعيينى بجامعة القاهرة بفضل جمال عبد الناصر ، ليس هذا فحسب بل كان يصرف لي إعانه شهرية قدرها خمسه جنيهات حتى اواجه مصاريف الدراسه باعتباري من المتفوقين ، وتابع عصفور شهادته قائلا : ان الزعيم عبد الناصر خدم المصريين بمجانية التعليم، مشيراً إلى أن كل تلك النخبة الذين تعلموا زمن عبد الناصر كانت ظروفهم الاجتماعية صعبة خدمهم عبد الناصر بإرساء مجانية التعليم فهم صنيعة تلك الفترة .
.
ويستكمل شهادته قائلا : نسيت من فرحتى أن أرسل رسالة شكرٍ إلى الرئيس جمال عبد الناصر الذى كان لتدخله كل الأثر فى تعيينى وَردِ الظلم عني. ويبدو أن السبب فى ذلك هو خجلى و مهابة الشخصية والمنصب حيث كان لهما أكبر الأثر فى اكتفائى بالامتنان العميق فى وجدانى وفى ضميرى على السواء ، ومرت الأيام وتوفى جمال عبد الناصر وأخذه الله إلى جواره مرضيًّا عنه من كل الفقراء الذين كان نصيرًا لهم. ودخلنا فى الحقبة الساداتية إلى أن وصلنا إلى سبتمبر عام 1981،
وكنتُ فى تلك السنوات عضوًا فى جماعة الدفاع عن الثقافة الوطنية، ورافضًا لاستكمال التطبيع مع إسرائيل طالما ظلت القضية الفلسطينية معلقة وينال الظلم يوميًّا من أبرياء الفلسطينيين في الضفة الغربية والقطاع ، وكان هذا هو السبب وراء وضعى فى قوائم المفصولين من الجامعة فى سبتمبر عام 1981. ولحسن الحظ لم أبق عاطلًا عن العمل لفترة طويلة، فقد جاءتنى دعوة للعمل أستاذًا زئرا فى جامعة استوكهلم فى السويد، وتقبلتُ الدعوة شاكرًا الرجل الذى كان وراءها، وهو المرحوم الدكتور عطية عامر.
.
ويتوقف الدكتور عصفور في شهادته أمام الدور الذي كان يقوم به ( سامي شرف .. مدير مكتب الرئيس عبدالناصر ) في إستقبال رسائل المواطنين وعرضها على الرئيس في مقال حمل أسم ( سامي شرف .. نشر بالاهرام في 15/ 11/ 2020 ) قائلا : و فؤجئت بالسفير المصرى في السويد ( عمر شرف .. الآخ الأكبر لسامي شرف ) يدعونى على مأدبة غداء تكريمًا لي ، ولما وصلت إلى منزله أجلسنى إلى جوار شخص لم أكن أعرفه وقد بدت على وجهه آثار المرض والعمليات الجراحية التى أُجريتُ له فى فرنسا ولاحظ السفير أننى كنت أعامل جارى بتحفظٍ فإذا به يفاجئنى بالسؤال: يا جابر ألا تعرف أخى سامى شرف؟
.
وبالطبع تذكرت واقعة تعييني والدور الذى لعبته شكواى إلى جمال عبد الناصر، ففرحتُ بالرجل وقبَّلت وجنتيه مرحِّبًا ترحيبًا حارًّا به. وقلت له أمام المدعوين: هأنذا أراك أخيرًا لكى أسألك سؤالًا لم أعرف إجابته إلى اليوم وهو: كيف وصلت شكواى إلى عبد الناصر، وتظلمى من الغبن الذى وقع عليَّ؟ وقد كنتُ أعرف بالطبع أنه كان يشغل منصب مدير مكتب الرئيس جمال عبدالناصر وسكرتير الرئيس للمعلومات.
.
فابتسم الرجل فى مودة وقال لي: لم يكن مكتب عبد الناصر تمر عليه شكوى مواطن مصرى دون فحص وتمحيص. وكنا نختصر كل شكوى فى سطر ثم نعرض المختصرات على عبد الناصر، فإذا استوقفه موضوع من الموضوعات وضع علامة عليه, لكى نعطيه الشكوى نفسها، وهذا ما حدث معك، فقد قرأ الملخص الذى أعددناه له ولكنه أراد أن يقرأ خطابك بنفسه، فأعطيناه الخطاب، ولم يصدر أوامر شفاهية، وإنما أمسك بالقلم وكتب على ظهر الخطاب تعليماته الموجهة إلى وزير التعليم العالى وبطريقة حاسمة. وأرسلنا الخطاب وعليه التعليق إلى مكتب وزير التعليم العالي، ثم عرفتُ فيما بعد أنك قد عُينت، وأصبحت شخصية لها صوت خاص بين المثقفين. وكنتُ أنا أتابعك شخصيًّا وأتابع مواقفك.
.
وتبادلتُ أنا وسامى شرف الأحاديث المتنوعة فى كل مجال، وفى حميمية تعطينى الحق فى أن أجعل من نفسى صديقًا له. وقد استمرت هذه الصداقة منذ أن اكتمل شفاؤه وعاد إلى مصـــــر مواصلًا الكتابــة عــــن عبد الناصر وعصره، وتقديم أفكاره الوطنية فى كل القضايا التى تمس شؤون الوطن وأمنه القومي.
.
هكذا عرفتُ الإجابة عن السؤال الذى ظللتُ أطرحه لسنوات على نفسى وهو: كيف وصل خطابى إلى عبد الناصر؟ وهل كان عنده مكتب يهتم فعلًا بشكاوى المواطنين؟ وهذه سمة من سمات الحاكم العادل الذى ينحاز إلى المظلومين، فيرد عنهم الظلم، وهذا هو عبد الناصر الذى لا أزال أضعه فى مكانة خاصة من قلبى إلى جانب طه حسين.
.
سامي شرف (رحمه الله) ظل مناضلًا مدافعًا عن الزمن الناصرى الذى أخلص له ودافع عن قيمه بالحماسة نفسها التى طالما دافع بها رغم وصوله إلى ما يجاوز التسعين من عمره, أمدَّ الله فى هذا العمر الجميل، وأطال لنا فى عمر هذا الإنسان العظيم, الذى كلما أذكره أذكر عبد الناصر الأعظم، والزمن الجميل، وكل أحلامى بالحرية والعدل الاجتماعى والتحرر الوطني .
.
الدكتور جابر عصفور .. قد رحل الجسد لكن الميراث الكبير الذي تركته سيحفظ ذكراك حية دوماً”.


