أكد وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيت، قبل يومين “جاهزية قوات بلاده المحتشدة في مواجهة إيران “لتنفيذ توجيهات الرئيس”.
لكن رئيسه، برتقالي البيت الأبيض، لم يُصدر أوامره بعد لبدء العدوان ،على دولة تبعد عن واشنطن حوالي 10229 كيلومترًا. محللون عرب، يخزي العين، يرددون منذ شهرين تقريبًا أن العدوان “في غضون ساعات”.
وضعنا تعبير في “غضون ساعات” بين مزدوجين لأنه خطأ لغوي، يقع فيه كتاب كبار. غضون من تغضن، وتخص وجه الإنسان. وعلى وجه التحديد ظهور التجاعيد فيه، والخطوط الدقيقة التي تظهر على البشرة. والصحيح في الاستخدامات المتعلقة بالوقت ظرف الزمان هو :خلال.
بالعودة إلى الصدد، نبدأ بعد قليل ببسط عوامل وأسباب ،قد ترجح أن الحشود الأميركية ليس بالضرورة أن تكون نتيجتها العدوان على إيران على الرُغم من ضخامتها.
هذا مع العلم أن “برتقالي البيت الأبيض “يصعب التنبؤ بتصرفاته وقراراته، لكن هناك أشياء أقوى من مزاجيته ونرجسيته ليس بمستطاعه تجاهلها.
لنبدأ بهدف العدوان المعلن، وقد ذكره”البرتقالي” في أحدى
تصريحاته الأخيرة وردده خلفه كالببغاء مستشار ألمانيا ميرتس، بالعزف على أسطوانة “أيام النظام الايراني باتت معدودة”. ولكن هل تضمن أميركا ذلك من دون احتلال دولة مترامية الأطراف كإيران؟!
لا يوجد أية ضمانة بأن تصيب أميركا نُجحًا في مسعاها بهذا الاتجاه، خصوصاً بعد أن خمدت الحراكات الداخلية التي راهنت عليها، وانكشاف آلاف العملاء. الإخفاق في هذا الجانب يعني أنها خسرت الحرب قبل أن تبدأها، أقله من منظور أن الحرب أهداف قبل أن تكون بوارج وطائرات وصواريخ.
أما احتلال إيران، فهو قطعًا من اللامفكر فيه أميركيًّا، لأنه إلى الجنون أقرب باختصار.
الهدف الثاني المعلن للحشود الأميركية، إرغام إيران بالتهديد والوعيد على التفاوض بشأن برنامجيها الصاروخي والنووي بشروط إدارة البرتقالي.
بخصوص الأول، لا أحد في العالم يؤيد الموقف الأميركي سوى الكيان الشاذ اللقيط المزروع في فلسطين. ونحن نعتقد أن إيران قطعت شوطًا كبيرًا في برنامجها الصاروخي، وحققت انجازات مهمة فيه تأكدت خلال قصفها عمق الكيان اللقيط وألحقت به خسائر مؤذية لم يعد انكارها ممكنًا.
هذا يعني أنها بلغت مرحلة اللاعودة في برنامجها الصاروخي، وهو ما ينسحب إلى حد ما على شقيقه النووي.
أضف إلى ذلك ما بات معلومًا للجميع، فقد استخدمت أميركا أقوى ما في ترسانتها الحربية، أي قاذفات الشبح الاستراتيجية “بي 2 سبيريت”، المجهزة بقنابل “جي بي يو- 57” الخارقة للتحصينات، وأخفقت في تدمير برنامج إيران النووي باعترافها، فماذا بوسعها أن تفعل أكثر؟!
إذا بدأت أميركا عدوانها في منطقة مشتعلة اصلًا لا تستطيع مواصلته طويلًا فيها، وكان الإخفاق حليفها في تدمير برنامجي إيران الصاروخي والنووي، فلا معنى لذلك غير مضاعفة اخفاقها بناء على مبدأ أن الحرب أهداف، كما أنف بيانه، يُقاس بنسبة تحقيقها النصر أو نقيضه.
ونستحضر عاملًا آخر قد يكون له دوره هو الآخر في تأجيل العدوان، ثم صرف النظر عنه. الأمر هنا يتعلق بالبرتقالي كرجل يرى الحياة صفقات، ومسكون بجني المال فلا يقدم شيئًا بلا أثمان مضاعفة.
يدرك البرتقالي جيدًا، أن العدوان هذه المرة صهيوني الأهداف بنسبة تكاد تكون 100%. وعليه، فقد يغير رأيه مدفوعًا بمزاجيته وتقلباته غير المتوقعة.
السبب الرابع قد يكون له الدور الأكثر حسمًا لجهة العدول عن العدوان، نقدم له بالقول إن العقلية الأميركية لا ترعوي ولا تعيد حساباتها إلا في حالتين: إذا نقصت الدولارات في جيب الأميركي، أو سال دمه، وما نحن بصدده قد يتسبب بالإثنتين معًا.
أميركا قوة عدوانية عمياء باطشة، لكنها في المقابل تخشى الأقوياء وتهابهم. ولا تتحمل نزيف الدم الأميركي، خاصة إذا مات أميركيون من أجل حماية الكيان الشاذ اللقيط.
فجأة، أُعلِن عن مناورات عسكرية بحرية صينية روسية إيرانية، في بحر عُمان والمحيط الهندي غدًا الأحد. لا شيء في السياسة يخضع للصدفة، وكل فعل عسكري امتداد لها. الدولتان الوحيدتان في عالم اليوم، اللتان لديهما تكنولوجيا بمقدورها بهدلة أميركا وهزيمتها هما روسيا والصين.
فما الذي يضمن أن الدولتين لم تزودا إيران بما يجعل إدارة البرتقالي تفكر جيدًا قبل الإقدام على مغامرة قد تكلفها كثيرًا، بوجود قوى دولية تنتظر الوقت المناسب، لترويض الثور الأميركي الهائج وإرغامه على قبول التعددية القطبية؟
تدخل روسيا والصين بأية طريقة كان، لربما تكون أولى نتائجه غير السارة لأميركا خروج الحريق في حال اشتعاله عن السيطرة، في منطقة ملتهبة أصلًا.
ولا شيء يمنع حينها من احتمال انقلاب الأمور في غير صالح واشنطن، ناهيك بالتداعيات المحتملة على اسرائيلها وحلفائها.
وليس يفوتنا التذكير بأن العدوان قد يكون من نتائجه إغلاق مضيق هرمز، الذي يخرج منه كل يوم 22 مليون برميل نفط إلى دول كثيرة في العالم، وقد تلجأ طهران إلى تلغيم مياه المضيق.
وتؤكد التقديرات أنه في حال حصول ذلك، فهذا يعني أن دول العالم كلها بما فيها أميركا ليس بمقدورها إزالة الألغام قبل عامين.
ولنا أن نتخيل تداعيات ذلك على أسعار النفط، وأسعار العملات بما فيها الدولار. فهل تتحمل أميركا ذاتها ذلك؟!
ما فعلته أميركا في فنزويلا غير قابل للتكرار في إيران. أميركا تريد شن عدوان على إيران من دون نقطة دم واحدة، أو بخسائر لا تكاد تُذكر. وهذا غير مضمون إن لم يكن شبه مستحيل.
إذا تراجع البرتقالي عن إعطاء إشارة بدء العدوان، فهي ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. فكم من قرارات اتخذها، ولم يلبث أن تراجع عنها خلال أقل من 24 ساعة؟!
في المُجمل، الأيام ستروي.


