يقولون:
إذا كبرتَ
ستعرفُ كيف تُساومُ الوقتَ
وكيف تُخبّئُ في جيبكَ
بقايا النهارِ،
وتُقنعُ الليلَ
أنّ العمرَ ليس امتحانْ.
لكنّني…
كلّما عبرتُ جسورَ السنينِ
وجدتُ الحقيقةَ
تخلعُ أقنعتَها،
وتقفُ أمامي
بوجهٍ عارٍ
كآيةِ صدقٍ
وكالصاعقاتِ إذا أعلنتْ ما يُصانْ.
اكتشفتُ…
أنّ الحياةَ
لم تكنِ الوطنَ الأخير،
ولا كانتِ الحلمَ الأخير،
ولا كانتِ الغايةَ
التي شُدّت إليها الخُطى
منذ أوّلِ نبضٍ
إلى آخرِ الخفقانْ.
فكم مرّةٍ
قلتُ: سأستريحُ…
ولكنّ عينًا تُناديني،
وصوتًا أحبُّه
كان يشدُّ يدي
كلّما همّ قلبي
أن يستقيلَ
من التعبِ المستهانْ.
وكم مرّةٍ
أوشكتُ أن أكسرَ المجدافَ
في بحرِ هذا الوجودِ،
فأبصرتُ وجهَ أمّي
يضيءُ المياهَ،
ووجهَ أبي
واقفًا كالجبل،
وأرواحَ من أحببتُهم
تزرعُ في الريحِ
ألفَ أمانْ.
فعرفتُ…
أنّ الإنسانَ
لا يحملُ العمرَ
بل يحملُ الذين يحبُّ،
وأنّ القلوبَ
إذا امتلأتْ بالمحبّةِ
صار التعبُ
نوعًا من الامتنانْ.
ما كان كفاحي
لأنّي عشقتُ الطريقَ،
ولا لأنّ الدنيا
أجادتْ غوايتها،
بل لأنّ خلفي
قلوبًا تُراهنُ
أن أعودَ إليها
سليمَ الجَنانْ.
كبرتُ…
فاكتشفتُ
أنّ البطولةَ
ليستْ بأن تهزمَ العالمَ،
بل أن تهزمَ فيكَ
ذلك اليأسَ
الذي يتقنُ كلَّ يومٍ
فنَّ العصيانْ.
وأنّ الذين نحبُّهم
هم العمرُ
حين يشيخُ الزمانُ،
وهم الضوءُ
حين تُطفئُ الريحُ
قناديلَ هذا المكانْ…
فإذا سألوكَ:
لِمَ بقيتَ
رغم انكساراتِكَ الكثيرةِ؟
فقلْ:
لأنّ في الأرضِ
أسماءً
لو غبتُ عنها
لانكسرَتْ في عيونِها
آخرُ شرفةٍ للأمانْ.
ولذلك…
حين تكبرُ حقًّا،
لن تقولَ:
لقد أحببتُ الحياةَ.
بل ستبتسمُ
كمن وجدَ السرَّ
بعد طولِ اغترابٍ،
وتهمسُ:
ما عشتُ يومًا
إلّا لأجلِ الذين أحببتُهم…
وكانوا،
دون أن يدروا،
المعنى الوحيدَ
الذي انتصرَ على الفناءِ
وصارَ للحياةِ عنوان
انتم للصباح والمساء عنوان


