السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

البقاع ينزف... يزفّ أبناءه سعداء، والدولة تراقب وتندّد وتستنكر

ليس البقاع خبرًا عابرًا في شريطٍ عاجل، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرة الضحايا، ولا بيانًا رسميًا يُتلى ببرودٍ على شاشات المساء، ثم يُطوى كما تُطوى أوراق الأمس في أدراج النسيان.

البقاع وجعٌ يتجدّد كلّ يوم، وجرحٌ مفتوحٌ في خاصرة الوطن، ينزف كرامةً قبل أن ينزف دمًا، ويزفّ أبناءه إلى الشهادة سعداء، كأنهم يمضون إلى عرسٍ سماويّ، فيما الوطن واقفٌ على شرفته يتفرّج.

هناك… حيث الحدود ليست خطوطًا على الخرائط بل نارًا مشتعلة، وحيث الليل أطول من قدرة الدولة على السهر، تُكتب البطولة بمداد الدم، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، وتُبنى الاستراتيجيات بدل أن تُكرَّر التنديدات والاستنكارات.

في البقاع كما في الجنوب، الأمّ تودّع ابنها وقلبها معلّقٌ بين السماء والأرض، والأب يشيّع فلذة كبده مرفوع الرأس مكسور الفؤاد، والأطفال يكبرون قبل أوانهم، يتعلّمون معنى الفقد قبل أن يتعلّموا معنى الأمان.
أمّا الدولة… فتراقب، وتندّد، وتستنكر، وتُسطّر المحاضر، وتفرض الضرائب. لا تحاول حتى أن تردع المعتدي؛ تُشكّل لجانًا، وتُصدر بيانات، ثم تنام على وسادة الكلمات، كأنّ الحبر قادرٌ على وقف النزيف، وكأنّ البلاغة تعوّض غياب القرار.
أيُّ وطنٍ هذا الذي اعتاد أن يرى أبناءه دروعًا له، ولم يعتد أن يكون لهم درعًا؟
وأيُّ سيادةٍ هذه إذا كان المواطن هو من يدفع ثمنها دمًا؟ وأيُّ عدالةٍ تحفظ صياغة البيان ولا تحفظ دم الإنسان؟

البقاع ليس هامشًا في جغرافيا الوطن، ولا تفصيلًا في مشهدٍ سياسيٍّ مزدحم؛ إنّه قلب لبنان النابض، خزّان صموده، وساحة عزّته. وإذا نزف القلب… فكيف يبقى الجسد حيًّا؟

البقاع لا يطلب المستحيل، ولا يسأل امتيازًا، ولا ينتظر منّةً من أحد. يطلب فقط دولةً تشبه اسمها: دولةً تحمي أبناءها كما يحمي الآباء أبناءهم، وتسهر عليهم كما تسهر الأمهات، وتجعل أمنهم أولويةً لا بندًا مؤجّلًا، وكرامتهم التزامًا لا شعارًا.

سيبقى البقاع يزفّ أبناءه بفخرٍ وعزّة، وسيصنع من الألم كرامةً، ومن الجراح ثباتًا.
لكن العار كلّ العار أن تبقى الدولة تزفّ بياناتها بلا فعل، وأن تكتفي بلغة الإدانة في زمنٍ لا يفهم إلا لغة القوّة والشجاعة والقرار الجريء؛ لغة الدولة التي تعرف أنّ كرامة أبنائها ليست فقرةً في خطاب… بل معنى وجودها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...