في عيادتنا النفسية، نعتاد سماع قصص عن الصدمات الكبرى، الفقد، والحروب. لكنني تعلمتُ مع الوقت أن “الوحوش” التي تسكن زوايا بيوتنا أحياناً تكون صامتة، تختبئ في تفاصيل صغيرة نعتبرها “بديهية”، بينما يراها الآخرون جبالاً من الخوف.
“الدنيا برا أكبر مني“
جلست أمامي في إحدى الجلسات الأولى، يلفّها صمتٌ ثقيل. حين سألتها عما يرهقها، لم تتحدث عن الاكتئاب بمصطلحاته العلمية، بل قالت ببساطة هزّتني: “أنا بخاف أطلع لحالي.. بحس الدنيا برا أكبر مني“.
كانت تأتي متأخرة، مترددة، وكأن كل خطوة في شارع بيروت المزدحم هي معركة تخوضها ضد المجهول. وفي لحظة بوح مفاجئة، قالت: “حتى الدفاية ما بشغلها.. بخاف من الكهربا“. سألتها بدهشة: “طيب شو بتعملي بالبرد؟”، ضحكت بخجل وقالت بلهجتها الجبلية البسيطة: “بلبس تياب كتير.. وبستحمل“.
حين تغيب “أبجديات” الأمان
هنا، أدركتُ أن دوري كمعالجة لا يقتصر على تحليل “الأنا” و”الأنا الأعلى”. القصة ليست مجرد قلق؛ إنها قصة “فقدان الأمان التأسيسي”. في مجتمعنا اللبناني، كثيرون كبروا في بيئات قاسية، حملوا مسؤوليات “كبيرة” وهم “صغار”، فتجاوزوا مراحل التعلم الطبيعية. هؤلاء الأشخاص لم يفتهم قطار المشاعر فحسب، بل فاتهم تعلّم “مهارات الحياة” التي تمنح المرء شعور السيطرة.
“نحن لا نتعافى فقط بالكلام، بل باسترداد القدرة على الفعل.”
من “الخوف” إلى “الزر“
بدأت جلساتنا تأخذ منحى مختلفاً. لم نعد نغوص في الماضي فقط، بل بدأنا نتصالح مع الحاضر:
- أي شارع تشعرين فيه بالأمان؟ “الشارع اللي فيه سوبرماركت.. لأنه فيه ناس“ (هنا بدأنا برسم خارطة أمان ملموسة.
- كيف تعمل الأجهزة؟ كيف نروض هذا “الخوف الكهربائي”؟
وبعد أسابيع، دخلت العيادة بابتسامة لم أرها من قبل: “تخيلي.. شغلت المدفأة لحالي! طلع الموضوع أبسط بكتير مما كنت مفكرة“. قد يبدو الأمر بسيطاً للبعض، لكنه بالنسبة لها كان إعلاناً عن استقلاليتها. كانت تلك هي المرة الأولى التي “تتدفأ” فيها بقرارها الشخصي، لا بالصبر والملابس الكثيرة.
“ما حدا علّمني“
قالت لي في جلستنا الأخيرة جملة بقيت عالقة في ذهني: “أنا كنت مفكرة إنو المشكلة فيي.. بس يمكن ما حدا علمني“. هذه الجملة هي جوهر العمل الإنساني. في لبنان، يجلد الناس أنفسهم لأنهم “تعبوا” أو “خافوا”، متناسين أن الظروف من فقر، وضغوط عائلية، وزواج مبكر، لم تترك لهم مساحة ليتعلموا كيف يحبون أنفسهم، أو كيف يشغلون “مدفأة” حياتهم.
التعافي النفسي ليس دائماً “انفجاراً” من الوعي المفاجئ. أحياناً، هو تراكم لخطوات صغيرة جداً، تبدأ من فهم أجسادنا، والسيطرة على محيطنا، والاعتراف بأننا لسنا “فاشلين”، بل نحن “ناجون” بحاجة لمن يمسك بيدنا ليعلمنا ما فاتنا.
في المرة القادمة التي تشعرون فيها أن العالم “أكبر منكم”، تذكروا أن الدفء يبدأ بلمسة شجاعة لزر صغير.. وأننا جميعاً، بشكل أو بآخر، ما زلنا نتعلم كيف نعيش.


