الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{فاستَبِقُوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون} سورة المائدة.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صُوركم ولكن ينظر إلى قُلوبكم” رواه مسلم.
لقد تضمَّن هذا الحديث معنًى عظيمًا جديرٌ بنا أن نتكلم عليه ليكون الكلام عبرةً لمن يعتبر فينتفع بذلك مريد الفائدة، ولكن يُناسب ابتداءً أن نُبيِّن أن معنى نظر الله في الحديث مُجازاته العباد وإلا فنظره تعالى الذي هو رؤيته للموجودات واطِّلاعه عليها لا يخُصُّ موجودًا دون آخر بل يَعُمُّ جميع الأشياء، وقوله ولكن ينظر إلى قلوبكم معناه يجزيكم بنواياكم، وفيه تأكيدٌ على الاعتناء بحال القلب وتصحيح مقاصده لأن الإنسان يُثاب بالنية الحسنة ويأثم بنية السوء فالقلب أمير الجوارح فهو يُعطي إشارةً إلى اليد فتتحرك وإلى الرجل فتسعى وإلى اللسان فينطق لأن كل هذه الأعمال يحصل قبل القيام بها عزمٌ في القلب عليها، ولذلك كلَّما صفا القلب كانت همَّته نحو الخيرات أكبر فتندفع الجوارح عندئذٍ إلى تحقيق نوايا الأفئدة الطيِّبة وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لا يُثيب العباد على أجسادهم ولا على صورهم ولا يُقرِّبهم منه ذلك، فإن الإنسان لا يد له في هيئته وليس هو من يجعل نفسه على هذه الصورة وتلك الهيئة. قال تعالى:{في أي صورةٍ ما شآء ركبك} سورة الانفطار.”أي جعلك في الصورة التي شاء أن تكون عليها” وليس الثواب ولا العقاب على حسب الصور والأجسام واختلافها حسنًا وقبحًا وطولًا وعرضًا وقِصَرًا وقوةً وضعفًا أو ذكورةً وأنوثةً ولا يجعل كل ذلك الشخص من أصحاب المراتب العالية عند الله تعالى إن كان مجرَّدًا من العمل الصَّالح، قال تعالى:{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} سورة الحجرات. وعن جابرٍ قال:”خطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربيٍ على عجميٍ ولا لعجميٍ على عربيٍ ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلَّغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فليُبلغ الشاهد الغائب” رواه البيهقي. ولا يلبث الليل والنهار أن يُبلِيا محاسن فلانٍ الوسيم وفلانة الفاتنة وطول الزمان أن يرد فلانًا وفلانةَ إلى أرذل العمر فيحل الضعف مكان القوة والهرم وعلامات الكِبَر محل الشباب والنضارة، وتبقى التقوى خير الزاد لمن التزمها في دنياه لتكون زادًا له في القبر وفي الآخرة، فكم من ضعيفٍ في نفسه ليس له بسطةٌ في الجسم ولا قوةٌ في البدن هو عند الله تعالى من أكابر الأئمة والأولياء؟
ليس الفضل بالأجسام
وكم من شديدٍ قويٍ لا يساوي عند الله تعالى جناح بعوضةٍ؟ وكم من وجهٍ صبيحٍ وجسدٍ صحيحٍ ولسانٍ فصيحٍ غدًا بين أطباق النار في جهنم يصيحُ؟ فقد كان أبو لهبٍ جميل الصورة مشرق الوجه ولذلك سمي بأبي لهبٍ فلم يُغن عنه جمال الصورة شيئًا، وأنزل الله تعالى في ذَمِّه سورةً كاملةً هي سورة المسد:{تبت يدا أبي لهبٍ وتبَّ} السورة.
ولقد قيل:
جمال الوجه مع قبح النفوس كقنديلٍ على قبر المجوس
وكان كثيرٌ من الصالحين ضعفاء في أبدانهم ليسوا على حظٍ كبيرٍ من الجمال والقوة الجسمانية لا يؤبه لهم في الأرض لكنهم مشهورون عند ملائكة السماء وتطول الأمثلة في سرد تلك النماذج، وحسب القارئ أن يتأمل ما رواه البخاري في “الأدب المفرد” وغيره عن سيدنا عليٍ عليه السلام قال:”أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعودٍ أن يصعد شجرةً فيأتيه منها بشىءٍ فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله فضحكوا من حُمُوشة (دقة) ساقيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تضحكون؟ لَرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان من أُحد (أي جبل أُحد)” أي يثقل الميزان يوم القيامة لعبد الله ابن مسعودٍ بالعمل الصَّالح. وعن حارثة بن وهبٍ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”ألا أُخبركم بأهل الجنة كلُّ ضعيفٍ مُتضعِّفٍ لو يُقسم على الله لأبرَّه ألا أُخبركم بأهل النار كل عُتُلٍّ جوَّاظٍ مستكبرٍ” متفقٌ عليه. وقوله:ألا أخبركم بأهل الجنة أي بمعظمهم، وقوله: ضعيفٌ أي في نفسه ومتضعِّفٍ أي يستضعفه الناس ومعنى لأبرَّه: لأبرَّ قسمه لو حلف أي يستجيب الله له إن دعا، وقوله: ألا أخبركم بأهل النار أي بسماتهم وأفعالهم لتجتنبوها. والعُتُلُّ الغليظ العنيف الجافي عن المواعظ لا يقبل الموعظة ولا يرتدع عن تحقيق شهوات النفس، والجوَّاظ الجموع المنوع الذي كل همِّه في جمع المال كيفما اتفق لا يبالي أجمع من حلالٍ أو من حرامٍ ويمنع الحقوق الواجبة عليه في المال، وقيل: الضخم البدن الكثير اللحم أي الذي ليس له همٌّ سوى ملء بطنه لشرهه ولا ينظر لما يدخل إلى جوفه أحصَّله من طريقٍ شرعيٍ أم لا.
وإذا عُلم هذا فلا تغترنَّ بقوة بدنك ولا بطول قامتك وبُعد ما بين منكبيك ولا بإشراقة وجهك وشبابك ولا بمالك وحسبك، فعن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي قال: “مرَّ رجلٌ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالسٍ ما رأيك في هذا؟ فقال: رجلٌ من أشراف الناس (أي بحسب الظاهر) هذا والله حريٌ إذا خَطَب أن يُنكح وإن شَفَعَ (أي في أمرٍ) أن يُشفَّع (أي لحسبه وظهوره بما له من الشرف ظاهرًا) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرَّ رجلٌ آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال يا رسول الله هذا من فقراء المسلمين هذا حريٌ إن خطب أن لا يُنكح (أي لفقره) وإن شَفَعَ أن لا يُشفَّع وإن قال أن لا يُسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا (أي الذي احتقرته) خيرٌ من مِلء الأرض (أي مما يملأ الأرض) مثلَ هذا” متفقٌ عليه.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


