
منذ جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت بتاريخ ٢٧ آذار الماضي، والتعليقات مستمرة متناقضة على قرار تعيين، كريم سعيد، حاكماً لمصرف لبنان. ويلاحظ ان نصيب رئيس الحكومة، نواف سلام، من التعليقات السلبية متنوعة المصادر وغريبة الأهداف. ولعل اغرب نوع منها هو: الأخذ على الرجل انه سكت عن طرح الرئيس العماد جوزيف عون مسألة تعيين سعيد من خارج جدول الأعمال، وانه كان عليه، أي سلام، ان يرفض ذلك الأمر ويرفع الجلسة التي هو المخول دستورياً الدعوة اليها أو الغاءها. وقد اعتبر بعضهم هذا التصرف “خضوعاً” لإرادة رئيس الجمهورية المسيحي على حساب صلاحيات وموقع رئيس الحكومة السني!!!!
وبالعودة إلى الدستور المفروض احترامه والتزام نصوصه نرى ان الفقرة الخامسة من المادة الخامسة والستين من الدستور تنص على ان مجلس الوزراء “يتخذ قراراته توافقياً فإذا تعذر ذلك فبالتصويت…”
وسنداً لهذا النص الدستوري عيّن مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة يوم الخميس الموافق ٢٧ آذار ٢٠٢٥، كريم سعيد، حاكماً جديداً لمصرف لبنان، خلفاً للحاكم السابق رياض سلامة المسجون، راهناً، بعدة تهم مالية وإدارية.
وفي حيثيات التعيين الذي تم بناءً على طلب رئيس الجمهورية، بالإستناد إلى الفقرة (١١) من المادة ٥٥ من الدستور التي تعطي الرئيس حق عرض أي قضية على مجلس الوزراء، من خارج جدول أعمال جلسته المقرر سابقاً. وقد نال سعيد ١٧ صوتاً وعارضه سبعة أصوات من مجموع أعضاء مجلس الوزراء ال ٢٤، أي بنقصان صوت واحد عن الثلث المعطل. وكان رئيس الحكومة، نواف سلام، في طليعة السبعة الذين عارضوا تعيين سعيد. ومنذ تاريخ قرار التعيين والحملة مستمرة على رئيسي الجمهورية والحكومة؟؟
يتهمون الرئيس جوزيف عون بأنه “حجّم” رئيس الحكومة نواف سلام متجاهلين ان رئيس الجمهورية استعمل حقاً منحه له الدستور الذي سُميَ نواف سلام رئيساً للحكومة بموجب نصه. وهكذا يكون رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ملتزمان ، بدقة وأمانة، النص الدستوري. فأين الغرابة يا ترى؟ إنها في عقل وسلوك من اعتاد “النط” فوق الدستور ونصوصه.
وبعيداً من صراخ الموتورين و”هلوسات” المشبوهين، من المهم ملاحظة ان نواف سلام قد يكون رئيس الحكومة الوحيد الذي “قارع” رئيس الجمهورية في تصويت لمجلس الوزراء وحظي موقفه بتأييد سبعة وزراء من مجموع أعضاء المجلس ال٢٤. والأهم، هنا، ان الذين أيدوا الرئيس جوزيف عون والذين أيدوا رئيس الحكومة نواف سلام كانوا متنوعين طائفياً ومناطقياً، حتى ان بعضهم تمايز في تصويته عن القوة السياسية التي تبنّت توزيره، وهذه ظاهرة لافتة في حكومات ما بعد “اتفاق طائف الدوحه” وغرائبه.
في سياق الإدانات التي تلتصق بالطغمة الحاكمة خرقها الدستور أو تجاهل وجوده لارتكابات فواحشها التي أوصلت لبنان إلى الجحيم المستعر ناراً تلتهم حتى اليباس والحجر بعدما سطا لصوص التسلط وحاشياتهم وانسباؤهم وازلامهم على كل ما كان أخضراً في “لبنان الأخضر الحلو”، كما وصفه “الأخوان الرحباني” قبل زحف جراد الفساد والبلطجة. ولذا بدا غريباً لصبيان هذه الطغمة أن يكون في السلطة إنسان مثل نواف سلام لا يطلب شيئاً لنفسه، ويخضع للدستور، ويحترم نصوصه، حتى عندما تكون النتيجة مختلفة مع رأيه وموقفه. هكذا يتصرف رجل الدولة وتتابع القافلة مسارها. فتحية لك يا نواف سلام وقد صح فيك المثل: “عند الإمتحان يُكرمُ المرء أو يهان”.
على رسلكم “يا جماعة الخير” واسألوا أنفسكم: هل الرئيس العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هما نسخة طبق الأصل؟؟ وهل في الدنيا مخلوق طبق الأصل حتى عن توأمه؟ تباينت وجهات النظر بينهما حول أمر محدد، وكل واحد منهما عبّر عن رأيه بطريقة دستورية لا غبار عليها، فلماذا الإصرار على جعل الأمر عاصفة تخرّب التضامن الحكومي وتهدد هيكل الحكم؟
هل هناك خلاف على إدانة “إسرائيل” وجرائمها في لبنان وغزة والضفة الغربية؟ أبداً. هل اختلف الرجلان على أهمية تنفيذ الإصلاح في الواقع السياسي والإقتصادي والمالي؟ قطعاً لا. هل هما مختلفان على ضرورة ان يستعيد لبنان حضوره العربي والدولي، ليعود قادراً على ممارسة هذا الدور التاريخي على الصعيدي العربي والدولي. أيضاً لا.
رجاءً، إذن، “لا تزيدوا على الضغث إبّالة” كما قالت العرب، ففي لبنان ما يكفيه من المتاعب والمشاكل.