لم يعد السؤال في هذه اللحظة: من بدأ؟ بل إلى أين يمكن أن تنتهي الأمور، إن كانت ستنتهي أصلًا. فالمشهد الإقليمي يتدحرج بسرعة تفوق قدرة التحليل على اللحاق به، فيما تتآكل المساحات الرمادية التي كانت، حتى وقت قريب، تؤجّل الانفجار الكبير.
حين يُمهل دونالد ترامب طهران 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، ملوّحًا بضرب منشآت الطاقة، لا يبدو الأمر مجرد تصعيد إعلامي. هو أقرب إلى رسم خط أحمر جديد، واضح وقاسٍ، في لحظة لم تعد فيها إيران تملك رفاهية المناورة الطويلة. لكن المفارقة أن طهران، التي ترد بتهديد مماثل، تترك في الوقت نفسه باب التفاوض مواربًا. وكأن الطرفين يتقنان لعبة حافة الهاوية: خطوة إلى الأمام، وخطاب إلى الخلف.
في الميدان، لم تعد الحرب محكومة بسقوف غير معلنة. نحن أمام انتقال فعلي إلى مرحلة “العين بالعين”، حيث لم يعد ضبط النفس أولوية. الضربات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، التي طالت عمق “إسرائيل” وأهدافًا حساسة، تقابلها “إسرائيل” بتوسيع بنك أهدافها إلى حدّ غير مسبوق، من الداخل الإيراني إلى الجغرافيا اللبنانية.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر هشاشة. ليس فقط لأن البلد يقع جغرافيًا في قلب الاشتباك، بل لأنه سياسيًا واقتصاديًا من دون مناعة. قصف الجسور التي تربط جنوب نهر الليطاني بشماله ليس تفصيلًا عسكريًا، بل رسالة مزدوجة: عزل ميداني، وخنق تدريجي. إنها محاولة لإعادة رسم خطوط تماس داخلية، تقطع ما تبقى من أوصال دولة متعبة.
الأخطر أن لبنان لم يعد محاصرًا من جهة واحدة. فالشائعات المتزايدة عن حشود على الحدود السورية، واحتمالات فتح جبهة جديدة تحت عناوين مختلفة، تعكس واقعًا مقلقًا: تعدد اللاعبين، وتضارب الأجندات، وتحوّل الأرض اللبنانية إلى مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات. في مثل هذا المشهد، لا تعود السيادة مسألة سياسية، بل مسألة بقاء.
إقليميًا، لم يدخل الخليج الحرب بعد، لكنه لم يعد بعيدًا عنها. حتى الآن، اقتصر دوره على التصدي للصواريخ الإيرانية عبر منظوماته الدفاعية، لكن ذلك لا يعني أن خياراته محدودة. دول الخليج تمتلك من السلاح والقدرات ما يسمح لها بالانتقال من الدفاع إلى الفعل، إن قررت ذلك. السؤال ليس إن كانت قادرة، بل إن كانت مستعدة لتحمّل كلفة الانخراط المباشر.
وفي هذا السياق، تبرز أسئلة حساسة تتجاوز الميدان العسكري: هل يمكن أن تتجه دول الخليج إلى استهداف البنية المالية للنظام الإيراني، عبر مصادرة أصول يُشتبه بأنها غير مشروعة؟ ولماذا تستمر بعض القنوات المالية في العمل، كما هو الحال في سلطنة سلطنة عمان، على الرغم من العقوبات والضغوط؟ هل هو توازن دبلوماسي دقيق، أم محاولة للاحتفاظ بدور الوسيط في لحظة قد تحتاج فيها المنطقة إلى نافذة تفاوض؟
المفارقة الأشد قسوة أن هذه الحرب، على الرغم من عنفها، ما زالت تُدار بعقل بارد في بعض جوانبها. القرار الأمريكي بمنح إعفاء مؤقت لمدة 30 يومًا لبيع النفط الإيراني العائم، ليس تناقضًا مع التصعيد، بل جزء منه. إنها إدارة للأزمة أكثر منها محاولة لحلّها: تخفيف ضغط الأسواق، وشراء الوقت، ومنع الانفجار الاقتصادي العالمي، من دون التراجع عن المسار العسكري.
لكن كل هذه الحسابات الكبرى تبدو بعيدة عن يوميات اللبنانيين. هنا، حيث الخوف ليس تحليلًا بل شعوراً يومياً ، وحيث الحرب ليست احتمالًا بل ذاكرة مفتوحة. اللبناني، الذي اعتاد أن يكون على هامش التسويات، يجد نفسه اليوم في صلب العاصفة، من دون مظلة حقيقية.
إلى أين تمضي هذه الحرب؟
الجواب الصادق: لا أحد يعرف.
لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، تُكسر فيها القواعد القديمة، وتُعاد كتابة موازين القوى بالنار. وفي هذا التحول، تبدو الدول الضعيفة ولبنان في مقدمتها الأكثر عرضة لأن تُدفع أثمانًا لا علاقة لها بقراراتها.
ربما لا تكون الحرب الشاملة قد بدأت بعد. لكن الأكيد أن ما يجري لم يعد مجرد تصعيد عابر. إنه مسار يتراكم، ويختبر الحدود، ويعيد تعريف الممكن… والخطر.


