
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرَحوا هو خيرٌ مما يجمعون} سورة يونس.
وعن أنس بن مالك قال: “قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما بالجاهلية فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية وقد أبدلكم الله خيرًا منهما يوم النحر ويوم الفطر” رواه البيهقي.
بالأمس القريب كنا نرقب هلال رمضان وننتظر قدومه بفارغ الصبر بعد شوقٍ طويلٍ ،يعرف ذلك من ذاق لذة الصيام والقيام ،ومن ذاق عرف وكسويعاتٍ أو كطيفٍ مرت الأيام ومضى رمضان ،فيا لسرعة الأيام وذهاب الأعمار.
ومع انقضاء أيام شهرنا العزيز استقبلنا ضيفًا جديدًا هو يوم عيد الفطر السعيد الذي جعله الله تعالى شعيرةً من شعائر المؤمنين ،ومَعْلَمًا من معالم الإسلام،
وعلى الرغم من كل ما تمرُّ به البلاد من المآسي والشدائد.. أتى عيد الفطر السعيد مُفعمًا بمعاني المودة والتعاطف والتكاتف والتعاون على البر والتقوى بين الإخوة المؤمنين ،الذين كانوا وما زالوا يجمعهم قول الله تعالى:{إنما المؤمنون إخوة} سورة الحجرات. ولا شك أن ما تجمعه روابط الإيمان أقوى وأثبت مما تجمعه روابط القرابة أو المصاهرة. فعن عقبة بن عامرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”المؤمن أخو المؤمن” رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”وكونوا عباد الله إخوانًا”متفقٌ عليه.
وكم تبرز كل عامٍ ببركة دين الإسلام العظيم ،الذي هو دين جميع الأنبياء عليهم السلام في رمضان ثم في العيد مظاهر التآلف والتعاضد والتآخي والحب في الله تعالى ،بين إخوةٍ آباؤهم وأمهاتهم شتَّى، وترى المؤمنين في أصقاع الأرض يحتفون ويفرحون في يومٍ واحدٍ شاكرين لله تعالى على نِعمه العظيمة ،بعدما أدّوا طاعةً عظمى وعبادةً جليلةً هي صوم شهر رمضان المبارك ،فيتجلَّى بذلك مظهرٌ عظيمٌ من مظاهر الوحدة والأخوًة الصادقة بين كل المؤمنين.
وكم رأينا من صدقاتٍ وأعطياتٍ تنهال على الفقراء والمساكين في شهر رمضان ويوم عيد الفطر السعيد فتقع في كفِّ المحتاج تجود له بالعطاء، فيجود لك بالدعاء، ورُبَّ دعوةٍ من قلبٍ حزينٍ يُسعدك الله بها في الدارين.
وكم عمرت في رمضان المساجد بالصلاة والإرشادات العلمية فهذّبت النفوس
وتجلَّت ثمرة ذلك بوضوحٍ يوم العيد السعيد.
كم من متدابرين متباغضين تلاقوا في ظلال رمضان وتشاركوا الفرحة في العيد، وما أروع ما كنا نراه في أيام رمضان ثم العيد المبارك من صلةٍ للأرحام بين الإخوة وأبناء العمومة والخؤولة ،وزياراتٍ للأصدقاء والأصحاب تشحن الأفئدة بالأنس والارتياح وتسلُّ الضغينة من الصدور فتتلاشى بذلك الخصومات وتنهار الشحناء التي طالما عشَّشت في قلوب كثيرٍ من الناس، فهذا يُقبِّلُ يد أبيه وذاك يلثُم قدَم أمه ويطلب من والديه الرضا وآخر يعانق أخاه وفلانٌ يُصافي خليله ،بعدما شابت علاقتهما أوحال الفتنة، ولا شك أن كل ذلك من القيم والمثُل العليا التي نحتاج أن تتجدد في مجتمعنا مرةً بعد مرةٍ، ليرتفع بها الصدأ الذي لطالما أحاط بعلاقات كثيرٍ من الناس ،فما أحوجنا أن نعمل على إصلاح ذواتنا فإن صلاح المجتمع يبدأ بصلاح الفرد. وكيف لا يشقُّ علينا رحيل رمضان بعد كل ما ينالنا من نفحاته وبركاته
“من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم”
وقد أرشدنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى كل خير ورغّبنا بكل مكرمة وفضيلة ،ودعانا إلى إصلاح النفوس وتقويمها، وما أحوجنا أن نقتفي دربه عليه الصلاة والسلام طالما نحن في مدة الحياة الدنيا فإن الله تعالى يقول :{لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} سورة الأحزاب.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” رواه البيهقي. وعن أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”الإسلام نظيفٌ فتنظَّفوا” رواه الطبراني. ومعنى “الإسلام نظيف” أن الإسلام يأمر بالنظافة، ومعنى “فتنظفوا” حثٌ على الاعتناء بالنظافة والاهتمام لشأنها، وهو شاملٌ لنظافة الخُلُق والبدن والثوب، وشاملٌ كذلك لنظافة النفس بسلامة القلب من الأدواء المهلكة وكم نرى تحقيق كل تلك المعاني في رمضاننا وعيدنا
ونستذكر بعدما ولَّى رمضان ما جاء في “تاريخ دمشق” لابن عساكر عن عدي بن أرطأة أنه خطب بعد انقضاء شهر رمضان فقال: “كأن كبدًا لم تظمأ وكأن عينًا لم تسهر فقد ذهب الظمأ وبقي الأجر ،فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنِّيه ومن المردود منا فنعزِّيه، فأما أنت أيها المقبول فهنيئًا هنيئًا وأما أنت أيها المردود فجبر الله مصيبتك ثم يبكي ويبكي”
ولكل من انقضى رمضان وهو في غفلةٍ نقول: ما معنى أن تغرق في الغفلة وتبقى بين لهوٍ ولعبٍ وتكاسلٍ ولا تُنافس المتنافسين لنيل الرجاء؟ أليس لك في الشّيب قد غزا رأسك ولحيتك رادعٌ وإلى متى تلهو والموت يدنو؟
وما معنى أن ينسلخ رمضان ولم يُغفر لك ليكتمل بالمغفرة عندك الفوز والحُبور يوم العيد؟
فلم تدرك ذلك لأنك صرفت وقتك فيما لا خير فيه ولم تعمل بالأسباب التي يغفر الله لمن عمل بها .فعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ إِذَا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِيهِ فَمَتَى” رواه الطبراني. فيا أيها المغرور: متى تتوب وإلى متى لا ترعوي وقد فاتك رمضان ولم تحظ بجوائز العيد؟ فعن ابن عباسٍ قال:”يوم عيد الفطر يوم الجوائز” رواه ابن عساكر. والجوائز جمع جائزة أي العطاء.
فما أحوجنا أن نتدارك أنفسنا فيما بقي من أعمارنا فنحن لا ندري أندرك رمضان من قابل أم نكون بين أطباق الثرى؟ وكم هو جدير بنا أن نتعلّم من مدرسة رمضان وفرحة العيد معاني الصبر والثبات على طاعة الله لنفوز بالفرحة الكبرى في يومٍ وقال الله تعالى فيه:{واتقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ثم توفَّى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يُظلمون} سورة البقرة. وقال أيضًا:{يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضرًا وما عملت من سوءٍ تودُّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ويُحذركم الله نفسه والله رءوفٌ بالعباد} سورة آل عمران.
والحمد لله أولًا وآخرًا.