في خطوة
زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر،
دمج سرايا السلام ضمن الإطار الرسمي العراقي
في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد يعيشها العراق تعود قضية حصر السلاح بيد الدولة لتتصدر واجهة النقاش الوطني، باعتبارها العقدة الأهم في بناء الدولة العراقية الحديثة .فمنذ العام 2003، والعراق يعيش إشكالية مزدوجة، وهي وجود مؤسسات رسمية تسعى لبناء دولة ذات سيادة ،يقابلها إنتشار السلاح خارج المنظومة القانونية تحت ذرائع متعددة ،بعضها سياسي وبعضها عقائدي وبعضها أمني فرضته ظروف الحرب على الإرعاب والأنهيار المؤسسي، الذي أصاب البلاد بعد الإحتلال الأميركي منذ العام 2003.
وسط هذا المشهد المتشابك, برزت مبادرة زعيم التيار الصدري، السيد مقتدى الصدر المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة ،بوصفها واحدة من أكثر المبادرات السياسية حساسية، وتأثيرا في المشهد العراقي المعاصر، و لا سيما مع ما رافقها من إعلان واضح يتعلق بإدماج الجناح العسكري _ للتيار الصدري _ سرايا السلام ضمن الأطر الرسمية للدولة العراقية، بما يعكس تحولا إستراتيجيا يتجاوز حدود المناورة السياسية التقليدية ،إلى محاولة إعادة تعريف العلاقة بين القوى الإجتماعية المسلحة، وبين مفهوم الدولة الحديثة.
و نأتي إلى الخلفية التأريخية لمعضلة السلاح في العراق لفهم أهمية مبادرة السيد مقتدى الصدر ،و لا بد من العودة إلى الجذور التأريخية للأزمة العراقية، فإن العراق بعد العام 2003. لم يشهد فقط سقوط نظام سياسي بل أنهيارا شبه كامل لمفهوم الدولة المركزية ،وهو حل الجيش العراقي آنذاك الذي خلق فراغا أمنيا كبيرا ،فتح الباب أمام ظهور عشرات الفصائل والتنظيمات المسلحة، بعضها تشكل لمقاومة الإحتلال الأميركي، وبعضها تأسس بدافع حماية المكونات !!فيما أستثمرت أطراف إقليمية ودولية هذا الفراغ ،لتوسيع نفوذها داخل البلاد ،
وثم جاءت مرحلة الحرب ضد تنظيم داعش الإرعابي لتضيف شرعية شعبية و دينية واسعة لعدد من الفصائل المقاومة ،التي لعبت دورا بارزا في الدفاع عن المدن العراقية ،ومنع سقوط بغداد .وفي تلك اللحظة التأريخية كان العراقيون ينظرون إلى السلاح بوصفه ضرورة وجودية لا خيارا سياسيا.
و لكن بعد أنتهاء الحرب العسكرية ضد الإرعاب ،أعاد طرح السؤال المؤجل وهو :هل يمكن للدولة أن تستعيد أحتكار القوة؟. وهل تستطيع القوى المسلحة الإنتقال من منطق الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية؟.
و هنا بالتحديد تبرز أهمية المبادرة الوطنية،
التي أطلقها الصدر.
وتكمن في خصوصية التيار الصدري، في المعادلة العراقية حيث أن التيار الصدري ليس مجرد حزب سياسي تقليدي ،بل يمثل ظاهرة إجتماعية ودينية وشعبية واسعة الأمتداد داخل العراق ،و خصوصا في المناطق الفقيرة والشرائح المهمشة، وقد أستطاع السيد الصدر منذ سقوط احتلال اميركا للعراق أن يبني قاعدة جماهيرية ضخمة، تقوم على خطاب وطني عابر نسبيا للاصطفافات التقليدية
معتمداً على رصيد جماهيري ضخم ورثه من والده ..
ومنذ تأسيس المقاومة الإسلامية العراقية وهي “جيش المهدي” ثم تحوله لاحقا إلى “سرايا السلام”
ظل التيار الصدري يمتلك جناحا عسكريا له حضور فعلي في المعادلة الأمنية والسياسية ،غير أن اللافت في تجربة التيار الصدري ،هو أنه شهد مراجعات متكررة.. إذ سبق له أن أعلن تجميد جيش المهدي، ثم إعاد تنظيم العمل المقاوم ضمن أطر محددة، وصولا إلى طرح فكرة دمج “سرايا السلام” ضمن الدولة، و أن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره خطوة إجرائية فحسب ،بل ينبغي فهمه بوصفه مراجعة فكرية وسياسية تتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها.
إن الدلالات السياسية لمبادرة حصر السلاح
بيد الدولة ،تحمل عدة رسائل عميقة داخليا وخارجيا منها:
إعادة الأعتبار لمفهوم الدولة، حيث تعرض مفهوم الدولة العراقية ،إلى أهتزاز كبير نتيجة تعدد مراكز القوى ،ولذلك فإن أي مبادرة من قوة جماهيرية تمتلك جناحا مسلحا في إتجاه تسليم السلاح أو دمجه مؤسساتياً ، تمثل عمليا دعما لفكرة الدولة المركزية. وهنا تكمن المفارقة المهمة، إن المبادرة تكتسب قيمتها ليس لأنها صدرت عن جهة مدنية لا تمتلك السلاح ،بل لأنها جاءت من طرف يمتلك ثقلا شعبيا وعسكريا حقيقيا ،وهذا ما يمنحها بعدا وطنيا أكبر.
وكسر منطق السلاح الضامن للنفوذ في البيئة السياسية العراقية ،و التي أعتادت القوى السياسية على أعتباران السلاح ضمانة للنفوذ السياسي ،و لكن مبادرة السيد الصدر تعكس محاولة لنقل الشرعية من القوة المسلحة، إلى القوة الشعبية والسياسية
وهذا التحول إن نجح قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة الحياة السياسية العراقية ،على أسس أكثر أستقرارا بحيث تصبح المنافسة عبر المؤسسات والإنتخابات ،لا عبر موازين القوة المسلحة، وكذلك إرسال رسالة إقليمية ودولية مفادها أن العراق ظل لسنوات ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي ،وكانت الفصائل العراقية أحد أبرز أدوات هذا الصراع ،ولذلك فإن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة تحمل رسالة ضمنية مفادها: أن العراق يجب أن يتحول من ساحة نفوذ إلى دولة ذات سيادة ،و كما أن المبادرة تمنح العراق فرصة لتحسين صورته أمام المجتمع الدولي ،خصوصا فيما يتعلق بملف السيادة والأستقرار والأستثمار.
سرايا السلام بين الشرعية القتالية والتحول المؤسسي
لا يمكن الحديث عن المبادرة من دون التوقف عند “سرايا السلام “التي لعبت دورا مهما في حماية العديد من المناطق والمراقد الدينية خلال الحرب ضد الإرعاب ،ولكن التحدي الأكبر الذي يواجه أي تشكيل مسلح بعد أنتهاء الحروب ،و هو كيف يتحول من قوة ميدانية إلى جزء من مؤسسة دولة؟.
إن إعلان الإستعداد لدمج سرايا السلام ضمن مؤسسات الدولة ،يعكس إدراكا بأن إستمرار وجود التشكيلات المسلحة خارج الأطر الرسمية قد يتحول مع الزمن إلى عبء على الدولة وعلى الفصائل نفسها، فإن الشرعية الثورية مهما كانت شعبيتها تبقى مؤقتة ،بينما الشرعية الدستورية هي وحدها القادرة على بناء أستقرار دائم ومن هنا فإن خطوة الدمج إذا جرى تنفيذها وفق رؤية مهنية ووطنية قد تمثل نموذجا يمكن أن يحتذى به في معالجة ملف الفصائل داخل العراق.
ومن التحديات التي تواجه المبادرة رغم أهمية المبادرة إلا أن طريق تنفيذها ليس سهلا لأن العراق يواجه شبكة معقدة من التحديات السياسية والأمنية.
أولا _ غياب الثقة بين القوى و الأحزاب السياسية
هناك أنقسام عميق داخل الساحة العراقية حول مفهوم الدولة ودور السلاح وبعض الأطراف قد تنظر إلى أي خطوة من هذا النوع بعين الشك. خوفا من أختلال التوازنات.
ثانيا _ التشابك الإقليمي حيث أن العراق ليس معزولا عن صراعات المنطقة وبعض القوى المسلحة التي ترتبط في تحالفات إقليمية تجعل ملف السلاح أكثر تعقيدا من كونه قضية داخلية فقط.
ثالثا _ ضعف المؤسسات الرسمية حيث لا يمكن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة دون وجود مؤسسات أمنية قوية ومحترفة وقادرة على حماية جميع المواطنين بعدالة فإن الدولة الضعيفة تنتج تلقائيا في بيئات موازية للسلاح.
رابعا _ البعد الشعبي و العقائدي بعض الفصائل تمتلك جمهورا يرى في السلاح جزءا من الهوية المقاومة ولذلك فإن أي عملية دمج أو تفكيك تحتاج إلى خطاب وطني مطمئن يحفظ التضحيات ولا يلغي الرمزية المعنوية للمقاتلين.
و هل تمثل المبادرة بداية مشروع دولة؟.
السؤال الأهم ليس فقط في إعلان المبادرة بل في أعادة قدرتها على التحول إلى مشروع وطني شامل
فإذا تحولت الدعوة إلى حصر السلاح إلى توافق وطني عابر للطوائف والمصالح الحزبية فإن العراق قد يدخل فعلا في مرحلة جديدة من بناء الدولة أما إذا بقيت المبادرة ضمن إطار التجاذبات السياسية أو الأستقطابات الإعلامية فقد تفقد الكثير من زخمها وتأثيرها ومع ذلك فإن مجرد طرح الفكرة بهذا الوضوح من قبل شخصية في حجم سماحة الزعيم العراقي السيد مقتدى الصدر الذي يمثل تطورا مهما في الخطاب السياسي العراقي و لأنه يعيد فتح النقاش حول مفهوم الدولة والسيادة والمواطنة.
و أن البعد الوطني في خطاب السيد الصدر منذ سنوات حيث يحاول السيد مقتدى الصدر تقديم نفسه بوصفه زعيما عراقيا ذا خطاب وطني مستقل نسبياً عن الاصطفافات الخارجية. وقد انعكس ذلك في مواقفه المتعلقة بالإصلاح، ومحاربة الفساد، ورفض التبعية، والدعوة إلى تعزيز القرار العراقي المستقل وفي هذا السياق تأتي مبادرة حصر السلاح بيد الدولة باعتبارها امتدادا لهذا الخطاب الوطني إذ تسعى إلى ترسيخ فكرة أن الدولة يجب أن تكون المرجعية العليا الوحيدة للقوة وهذا الطرح ينسجم مع التجارب الحديثة للدول حيث لا يمكن بناء أقتصاد قوي أو نظام سياسي مستقر أو قضاء مستقل في ظل تعدد مراكز السلاح.
و أن مستقبل العراق بين الدولة واللادولة
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق تأريخي إما الأنتقال نحو دولة مؤسسات تحتكر القوة وتمارس السيادة الكاملة وإما البقاء داخل نموذج الدولة الهشة التي تتقاسمها القوى المتعددة وفي هذا السياق فإن مبادرة السيد مقتدى الصدر تمثل محاولة للدفع في إتجاه الخيار الأول حتى وإن كانت الطريق مليئة في العقبات و لقد أثبتت تجارب الدول أن الإستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يشعر المواطن أن القانون هو المرجعية العليا وأن الدولة وحدها تمتلك الحق في أستخدام القوة و أما إستمرار تعدد السلاح مهما كانت مبرراته فإنه يبقي أحتمالات الصدام والفوضى قائمة في أي لحظة توتر سياسي أو أمني.
و إن مبادرة زعيم التيار الصدري سماحة السيد مقتدى الصدر بشأن حصر السلاح بيد الدولة مبادرة مهمة وما رافقها من إستعداد لدمج سرايا السلام ضمن مؤسسات الدولة العراقية التي تمثل واحدة من أبرز المبادرات السياسية في العراق خلال السنوات الأخيرة و أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في بعدها الأمني بل في رمزيتها السياسية والوطنية لأنها تعيد طرح سؤال الدولة العراقية من جديد هل يمكن للعراق أن ينتقل من مرحلة التوازنات المسلحة إلى مرحلة الدولة المستقرة؟


