الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن اختزال الأزمة كلها في الجانب الاقتصادي وحده يبدو تبسيطًا مخلًا لمشكلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

الأرقام المتداولة حول أعداد الفتيات اللاتي تجاوزن سن الزواج تثير القلق، لكن القلق الأكبر يجب أن يكون من الثقافة الاجتماعية التي ساهمت في الوصول إلى هذه المرحلة. فبينما يواجه الشباب تحديات اقتصادية صعبة، ما زال المجتمع يصر على إضافة أعباء جديدة لا علاقة لها بجوهر الزواج ولا بأهدافه الحقيقية.

تحول الزواج لدى كثير من الأسر من مشروع لبناء أسرة مستقرة إلى مناسبة اجتماعية ضخمة هدفها إثبات المكانة أمام الآخرين. أصبحت قيمة العريس أو العروس تُقاس أحيانًا بحجم الأثاث، وعدد الأجهزة الكهربائية، وقيمة الشبكة، ومستوى الحفل، لا بمدى التوافق الفكري والإنساني بين الطرفين. وكأننا أمام منافسة اجتماعية مفتوحة لا تنتهي، يدفع ثمنها الشباب والفتيات معًا.

ومن بين أكثر المظاهر إثارة للجدل قضية “القائمة” التي تحولت في كثير من الحالات من وسيلة لحفظ الحقوق إلى أداة ضغط متبادلة بين الأسر. وبعيدًا عن الجدل القانوني والديني حولها، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في العقلية التي تتعامل مع الزواج باعتباره صفقة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الضمانات المادية، بينما تتراجع قيم الثقة والتفاهم والشراكة إلى الصفوف الخلفية.

المفارقة أن كثيرًا من الأسر التي تضع شروطًا مبالغًا فيها تفعل ذلك بدافع الخوف من كلام الناس. الخوف من المقارنة، ومن الانتقادات، ومن الأحكام الاجتماعية الجاهزة. وهكذا يصبح المجتمع أسيرًا لدائرة مغلقة، الجميع يشكون من ارتفاع تكاليف الزواج، لكن الجميع يشاركون بدرجات متفاوتة في تكريس هذه التكاليف.

لا أحد يطالب بإلغاء الحقوق أو التقليل من قيمة تجهيز بيت الزوجية، لكن المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات. فالزواج في جوهره ليس معرضًا للأثاث، ولا مناسبة للاستعراض الاجتماعي، ولا اختبارًا للقدرة على الاقتراض وتحمل الديون. إنه مؤسسة إنسانية تقوم على المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة

لقد أثبتت التجارب أن البيوت لا تستقر بسبب فخامة البداية، كما أن الخلافات لا تُحل بزيادة عدد الأجهزة أو ارتفاع قيمة المقتنيات. الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يدرك الطرفان أن الحياة الزوجية شراكة طويلة تحتاج إلى تفاهم وصبر واحترام متبادل أكثر مما تحتاج إلى مظاهر براقة تزول قيمتها مع مرور الوقت.

إذا كنا نريد مواجهة أزمة تأخر الزواج بشكل جاد، فعلينا أن نبدأ بمراجعة الثقافة التي تحكم نظرتنا إليه. فالتيسير ليس تنازلًا عن الكرامة، والبساطة ليست دليلًا على العجز، وتقليل الأعباء لا ينتقص من قيمة أحد. بل ربما يكون الطريق الأقرب لبناء أسر أكثر استقرارًا ومجتمع أكثر توازنًا.

ويبقى السؤال: متى نتوقف عن بناء قراراتنا المصيرية على ما سيقوله الناس، ونبدأ في بنائها على ما تحتاجه حياتنا فعلًا؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...