الجمعة، 31 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

قادة الجيش في رئاسة الجمهورية بعد الطائف: قراءة دستورية وسياسية في التجربة اللبنانية

إذا كانت رئاسة الجمهورية في لبنان، بعد اتفاق الطائف، قد فقدت جانباً مهماً من صلاحياتها التنفيذية لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً، فإن انتخاب أربعة قادة للجيش تباعاً لرئاسة الجمهورية لم يكن مجرد مصادفة تاريخية، بل يعكس خللاً بنيوياً في النظام السياسي اللبناني. فكلما عجزت القوى السياسية عن إنتاج رئيس من داخلها، اتجهت الأنظار إلى قائد الجيش باعتباره الشخصية الأكثر قبولاً داخلياً وخارجياً، والأقل انخراطاً في الانقسامات الحزبية. غير أن التجربة الدستورية والسياسية تُظهر أن نجاح  قائد الجيش في المؤسسة العسكرية لم يكن كافياً لضمان نجاح عهده في ظل نظام توافقي معقد.

 

أولاً: إميل لحود… شرعية دستورية أم شرعية الوصاية؟

دستورياً، شكّل انتخاب العماد إميل لحود عام 1998 أول تعديل دستوري بعد الطائف يُجرى خصيصاً لانتخاب قائد جيش لا يزال في الخدمة، تطبيقاً للمادة 49 من الدستور التي تمنع انتخاب موظفي الفئة الأولى قبل مرور سنتين على تركهم وظائفهم، ما لم يُعدَّل الدستور.

سياسياً، لم يكن انتخاب لحود نتيجة تنافس ديمقراطي بقدر ما كان ثمرة القرار السوري الذي كان يحكم الحياة السياسية اللبنانية آنذاك، مع قبول دولي ضمني باستمرار الوصاية السورية. وقد منحته شعبيته العسكرية صورة الرئيس الإصلاحي القادر على مكافحة الفساد وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة.

غير أن الرأي العام اللبناني انقسم تدريجياً حول عهده. ففي حين اعتبره فريق رمزاً لتعزيز الدولة ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى التحرير عام 2000، رأى فيه الفريق الآخر امتداداً للنفوذ الأمني السوري. وجاء التمديد الرئاسي عام 2004، خلافاً للعرف السياسي وبضغط خارجي، ليشكّل نقطة التحول الكبرى، إذ أدى إلى صدور القرار الدولي 1559، ثم إلى أزمة سياسية انتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان.

لذلك، بقي تقييم عهد لحود مرتبطاً في الذاكرة الجماعية أكثر بمرحلة الوصاية السورية وبأزماتها، منه بإنجازاته الإدارية أو الأمنية.

 

ثانياً: ميشال سليمان… رئيس التوافق الذي قيّدته الانقسامات

جاء انتخاب العماد ميشال سليمان عام 2008 في إطار تسوية دستورية وسياسية شاملة أنتجها اتفاق الدوحة بعد أخطر أزمة داخلية منذ انتهاء الحرب.

اكتسب سليمان شرعيته من عاملين: حياد الجيش النسبي خلال أحداث أيار 2008، والإجماع العربي والدولي على ضرورة إنهاء الفراغ الرئاسي. لكن دستور الطائف جعل الرئيس بحاجة دائمة إلى توافق مجلس الوزراء والقوى السياسية، وهو ما حدّ من هامش المبادرة الرئاسية.

حاول سليمان تكريس دور الحكم بين الأطراف، وبرز ذلك في “إعلان بعبدا” الذي دعا إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة. إلا أن اندلاع الحرب السورية وانخراط “حزب الله” فيها أضعفا هذا المشروع، وتحول الإعلان إلى “إعلان نوايا” أكثر منه وثيقة قابلة للتنفيذ.

في استطلاعات الرأي والنقاشات السياسية خلال نهاية ولايته، لم يُحمّل سليمان مسؤولية الانقسامات الوطنية بقدر ما اعتُبر رئيساً لم يمتلك الأدوات الدستورية الكافية لفرض خياراته. ولذلك بقي تقييم عهده أقرب إلى “الرئاسة الهادئة” التي لم تنجح في صناعة تحول سياسي كبير، لكنها لم ترتبط أيضاً بانهيار الدولة.

 

ثالثاً: ميشال عون… من الزعامة الشعبية إلى مسؤولية الانهيار

تمثل تجربة ميشال عون حالة مختلفة عن بقية قادة الجيش، إذ دخل قصر بعبدا زعيماً حزبياً لا قائداً عسكرياً فحسب. فبعد عودته من المنفى عام 2005، أسس قاعدة سياسية واسعة عبر “التيار الوطني الحر”، وأصبح لاعباً رئيسياً في المعادلة الداخلية.

دستورياً، جاء انتخابه نتيجة تسوية أنهت فراغاً رئاسياً دام 29 شهراً، بعدما عجز مجلس النواب عن انتخاب رئيس طوال تلك الفترة. لكن الرأي العام اللبناني يقارب عهده من زاويتين متناقضتين. فأنصاره يعتبرون أن معظم الانهيارات المالية والاقتصادية تعود إلى تراكمات سبقت انتخابه، وأنه واجه منظومة سياسية ومالية مترسخة. في المقابل، ترى شريحة واسعة من اللبنانيين أن الانهيار المالي، وثورة 17 تشرين، وانفجار مرفأ بيروت، وتعطل المؤسسات، وقعت جميعها خلال ولايته، الأمر الذي جعل الرئاسة تتحمل، سياسياً ورمزياً، جانباً كبيراً من المسؤولية، حتى وإن كانت الصلاحيات التنفيذية موزعة دستورياً بين مجلس الوزراء وسائر السلطات.

وقد انعكس ذلك في تراجع كبير لشعبية التيار الوطني الحر مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2019، وإن بقي الحزب لاعباً نسبياً في الحياة السياسية.

 

رابعاً: جوزاف عون… رئاسة تحت اختبار الإنقاذ

وصل العماد جوزاف عون إلى الرئاسة في لحظة انهيار اقتصادي ومؤسساتي غير مسبوقة، وبعد فراغ رئاسي طويل، وفي ظل حرب مفتوحة على الحدود الجنوبية وتغيرات إقليمية واسعة.

سياسياً، لم يكن انتخابه ممكناً لولا تقاطع مصالح القوى الداخلية مع توافق عربي ودولي على ضرورة إعادة انتظام المؤسسات اللبنانية. وهو ما أعاد إنتاج النمط نفسه الذي رافق معظم انتخاب قادة الجيش بعد الحرب.

لكن تقييم عهده لا يزال مبكراً. فالرأي العام ينظر إليه حتى الآن بوصفه رئيساً يحمل رصيداً من الثقة المستمدة من قيادة الجيش خلال مرحلة شديدة الحساسية، إلا أن هذا الرصيد يبقى مشروطاً بقدرته على ترجمة الوعود الإصلاحية إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد والإدارة والسيادة.

 

ماذا يقول الرأي العام اللبناني؟

تكشف التجارب الأربع عن تطور لافت في نظرة اللبنانيين إلى الرؤساء العسكريين:

  • عند انتخابهم، يحظى قائد الجيش عادة بنسبة مرتفعة من الثقة، باعتباره بعيداً عن الفساد الحزبي والانقسامات الطائفية.
  • خلال الولاية، تبدأ هذه الثقة بالتراجع مع اصطدام الرئيس بواقع النظام السياسي القائم على التوافق والمحاصصة.
  • بعد انتهاء العهد، يُقيَّم الرئيس غالباً على أساس النتائج الاقتصادية والسياسية أكثر من خلفيته العسكرية.

وبذلك، لم يتمكن أي رئيس آتٍ من قيادة الجيش من الحفاظ على مستوى الثقة الشعبية الذي رافق انتخابه.

 

لماذا يتكرر انتخاب قائد الجيش؟

يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال ثلاثة عوامل مترابطة:

أولاً، الثقة بمؤسسة الجيش، التي بقيت بعد الحرب المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً والأقل انقساماً طائفياً، ما منح قائدها صورة “الرجل الجامع”.

ثانياً، أزمة الطبقة السياسية، إذ غالباً ما تفشل الأحزاب في إنتاج رئيس توافقي من داخلها، فتتجه نحو قائد الجيش باعتباره شخصية وسطية.

ثالثاً، العامل الخارجي، إذ إن جميع انتخابات قادة الجيش بعد الطائف ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بتفاهمات إقليمية ودولية رأت في قائد الجيش شخصية قادرة على إدارة مرحلة انتقالية أو احتواء أزمة وطنية.

 

الخلاصة الدستورية والسياسية

تؤكد التجربة اللبنانية أن انتخاب قائد الجيش لم يكن يوماً علاجاً لأزمة النظام، بل كان في معظم الأحيان نتيجة لها. فالرئيس، مهما بلغت شعبيته أو كفاءته، يبقى محكوماً بدستور يوزع السلطة التنفيذية، وبنظام سياسي قائم على التوافق الإلزامي بين القوى الطائفية، وبميزان قوى داخلي وإقليمي يتجاوز أحياناً صلاحيات المؤسسات الدستورية نفسها.

ومن ثم، فإن نجاح أي قائد جيش في الوصول إلى الرئاسة لا يعني بالضرورة نجاحه في الحكم. فالجيش يستطيع أن يحافظ على وحدة المؤسسة العسكرية عبر تسلسل قيادي واضح، أما رئاسة الجمهورية فتتطلب إدارة شبكة معقدة من المصالح والتوازنات، حيث تصبح قدرة الرئيس على بناء التوافقات السياسية أهم، في كثير من الأحيان، من رصيده العسكري أو شعبيته عند انتخابه.

 

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

خلف: استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يؤكد ضرورة بقاء اليونيفيل

هزّ صباح اليوم تفجير إسرائيلي ضخم الجنوب اللبناني، ناجم عن عمليتي تفجير في محيط بلدة حداثا ومنطقة الشقيف، في اعتداء جديد يُضاف إلى سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، من تفجير...

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...