السبت، 1 أغسطس 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حرب الاستنزاف الأوسع

لم يكذب الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” خبرا ، وأنهى سريعا أياما من الهدنة الهشة ، أعقبت ما قد تصح تسميته “حرب الأسبوعين” على إيران ، بعد “حرب الأربعين يوما” منذ 28 فبراير 2026 ، وبعد “حرب الإثنى عشر يوما ” أواسط العام 2025 ، وكلها جرت بدفع من “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء العدو “الإسرائيلى” ، الذى اجتمع مع “ترامب” على نحو غامض قبل ثلاثة أسابيع من “حرب الأربعين يوما” ، ولم تصدر وقتها تصريحات صحفية عن “ترامب” ولا عن “نتنياهو” ، ثم بان مع بدء الحرب نهاية فبراير 2026 ، أن “نتنياهو” عمل “البحر طحينة” فى ذهن “ترامب” ، وأقنعه أن الإسرائيليين والأمريكيين بصدد حرب أيام قليلة فى إيران ، وأن النظام الإيرانى سينتهى تلقائيا بعد قطع رأس المرشد ومعاونيه الكبار من القادة العسكريين الإيرانيين ، وقتها اقتنع “ترامب” ، ونزل إلى مستنقع حرب إيران ، الذى لم يخرج منه على الرغم من مرور أكثر من خمسة شهور ، وكلما توقع البعض أن الحرب سنتنهى أو انتهت ، وتم ترتيب خطة التسوية ذات الستين يوما بعد توقيع “ترامب” الاحتفالى لمذكرة التفاهم ، وفى التطبيق القصير جدا ، تبين للرئيس الأمريكى العشوائى ، أنه تعرض لخديعة نصوص قابلة لتأويلات من المفاوضين الإيرانيين ، وصدرت عن “نتنياهو” تصريحات امتعاض من المذكرة الإيرانية ـ الأمريكية ، وراوغ “ترامب” قليلا ، ثم أنهى التزامه بالمذكرة فى قمة “الناتو” التى عقدت فى “أنقرة” ، وأراد أن يجرب حظه العسكرى مجددا ، وشن قصف الأسبوعين الأعنف ، ومن دون أن تبدو علامة ضعف أو تراجع على موقف الإيرانيين .
وعلى الرغم من شيوع أفكار رغائبية من نوع اتساع خلافات “ترامب” مع “نتنياهو” ، فإن الأخير عاد لتأكيد سطوته على تصرفات “ترامب” ، وذهب إلى البيت الأبيض للمرة الثامنة فى رئاسة “ترامب” الثانية ، وحمل معه تقارير جديدة لجهاز “الموساد الإسرائيلى” ، وأراد إقناعه باستئناف الحرب على إيران ، وتدمير الموقع النووى الأخطر تحت “جبل الفأس” بالذات ، الذى يقال أن إيران نقلت إليه كمية يورانيوم التخصيب العالى بأكثر من الستين بالمئة ، ويبدو أن “ترامب” يفضل تقارير “نتنياهو” على تقارير المخابرات الأمريكية نفسها ، وعجل بإجراءات إنهاء المصادقة على تعيين صديقه “جاى كلايتون” مديرا للاستخبارات الوطنية ، التى تشرف على عمل أجهزة المخابرات الأمريكية ، وبالتوازى ، قرر إنهاء الهدوء الهش على جبهة إيران ، وانتقل بالقصف هذه المرة بعيدا عن محيط “مضيق هرمز” ، وبدأ بقصف مدينة “بيرانشهر” شمال غرب إيران ، وعلى حافة مناطق الأكراد فى إيران ، ربما ليمهد لبدء عملية برية ، لا يقوم بها الأمريكيون هذه المرة ، بل تعتمد على “خطة إسرائيلية” لتسليح جماعات كردية إيرانية ، ودفعها من منطقة “كردستان” العراقية إلى الداخل الإيرانى.
ربما الجديد هذه المرة ، أن الحرب قابلة لاتساع غير مسبوق ، بانت بوادره فى دخول أطراف جديدة إلى القتال بصورة نشطة ، وعلى طريقة ما يجرى من تجدد صدام الحوثيين مع السعودية ، ثم قصف الأخيرة بالمشاركة مع الأمريكيين لقوات ومراكز “الحشد الشعبى” والفصائل الموالية لإيران فى العراق ، ورسم صورة حربية سائبة منفلتة ، تتورط فيها كل الأطراف الموالية أو المخاصمة لإيران ، وهو ما يبدو مؤاتيا أكثر للتصورات “الإسرائيلية” ، التى تفضل إشعال حرب استنزاف من دون نهاية بين أطراف عربية وإيران وحلفاء إيران ، وهو ما يتوالى على المسرح الحربى للأسف ، ومن دون مصلحة محققة للأطراف العربية المعنية ولا لإيران ، التى أخطأت مرات فى توجيه بوصلتها الحربية الرئيسية ، وكفت من فترة عن توجيه ضرباتها الصاروخية تجاه “رأس الأفعى” فى كيان الاحتلال ، مع أنها سبق أن بادرت مرة بالهجوم على كيان الاحتلال ، والأجدر بها أن تبادر بالهجوم على كيان الاحتلال ابتداء ، لا أن تنتظر ضربات “إسرائيلية” حتى ترد عليها ، والمؤكد عندنا ، أن “إسرائيل” ستعود إلى قصف إيران مباشرة ، خصوصا مع اقتراب وقت الانتخابات “الإسرائيلية” الجديدة ، التى لايبدو “نتنياهو” مطمئنا إلى فوزه فيها ، ويرى فى إشعال الحرب من “غزة” إلى “الضفة الغربية” إلى “لبنان” إلى “إيران” كما لو كانت خشبة إنقاذ و”سفينة نوح” ، تحمله مع أنصاره الأكثر تطرفا ودموية إلى أغلبية فى “الكنيست” المقبل .
وعودة إلى حرب إيران وإسقاط نظامها ، التى يعتبرها “نتنياهو” قضية عمره السياسى ، ومع جولات الحرب المتتابعة ، فإن الحقيقة الأصلية تظل قائمة ، فالحرب الجارية وماسبقها ، هى بالتأكيد حرب “إسرائيلية” جرت وتجرى بجيوش أمريكية بينها جيش كيان الاحتلال نفسه ، وفشل الجولات السابقة ، لا يعنى أن الحرب غير قابلة للتجدد ، بل العكس هو الصحيح ، وليس أمام إيران بعد تصحيح أخطاء بوصلتها القتالية ، إلا أن تستعيد “البوصلة” الأصح ، وأن ترمى نيرانها فى المرمى “الإسرائيلى” مباشرة ، ففى كيان الاحتلال أخطر قواعد أمريكا بالمنطقة ، ثم أن كيان الاحتلال نفسه هو أكبر قاعدة أمريكية فى الدنيا كلها ، والخطاب الذى أرسله مؤخرا المرشد الإيرانى “مجتبى خامنئى” إلى قيادة “حزب الله” ، وأكد فيه دعمه لمقاومة مجاهدى “حزب الله” ، واعتبرها سياسة استراتيجية ثابتة ، وتأكيده وقوف إيران ضد “ظلم الإدارة الأمريكية وجورها وجرائم الصهاينة الذين يعيثون فى الأرض فسادا ، ويهلكون الحرث والنسل” ، وأنه “لم يبق أمام الأحرار سبيل سوى الجهاد والمقاومة” ، كما جاء فى نصوص رسالة “السيد مجتبى” ، وأفضل سبيل لترجمة النصوص إلى واقع ، أن تضع إيران كيان الاحتلال ومدنه ومنشآته وقواعده وبنيته التحتية فى عين النار عاجلا لا آجلا .
نعم ، ليس لإيران ولا لصالحها ، أن تتوه “البوصلة” ، ولا أن تنهك قواها فى مسارب جانبية ، والمطروح عليها اليوم ، كما فى جولات سبقت ، أن تواصل الصمود الحربى المذهل ، فليس من مفاوضات جادة ولا شبه جادة فى الأفق القريب ، والعدو الأمريكى “الإسرائيلى” يريد استسلاما كاملا غير مشروط من طهران ، ويريد محوا لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، ليس بسبب لونه الفكرى والعقدى ، ولا بسبب مشروعه النووى والصاروخى وحده ، بل لأن إيران وقفت نقيضا لكيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، وتقف اليوم حجر عثرة ضد اتفاقات “أبراهام” التطبيعية فى صورها المختلفة ، ولم تكن مصادفة ، أن “ترامب” قال مرارا أن تعميم “اتفاقات أبراهام” هو علامة نصره فى الحرب ضد إيران ، وهى الداعم الحصرى لجماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالذات ، فلو كان فى إيران نظام موال للأمريكيين ولكيان الاحتلال ، ما مانعوا أبدا فى حصوله حتى على السلاح النووى ، وهنا مربط الفرس وأصل القصة الدامية ، فإزاحة إيران الراهنة من الطريق ، هو شرط جوهرى لتمكين “إسرائيل” من الشرق الأوسط كله عربا وعجما .
وما من أحد عاقل ، يصح له أن يستهين بضراوة الحرب “الإسرائيلية” الأمريكية على إيران ، ولا بضرائب الدم وخسائر الاقتصاد الفادحة التى دفعتها وتدفعها إيران ، لكن إيران صمدت كما لم يتوقع الأعداء ولا الأصدقاء ، وكان حجر الزاوية فى صمودها هو الشعب الإيرانى نفسه ، الذى وقفت كتله الشعبية الغالبة سندا لنظام الحكم ، وبدا ذلك ظاهرا فى التدفق المليونى الرهيب الذى صاحب مراسم تشييع المرشد السيد “على خامنئى” ، فقد كان ذلك أوسع استفتاء على شعبية النظام ، إضافة إلى شعور الإيرانيين جميعا ، أن إيران الدولة ذاتها فى خطر قد يؤدى إلى التفكيك ، وبما دفع جماعات وشخصيات معارضة إلى الإصطفاف فى الخندق ذاته مع النظام و”الحرس الثورى” والجيش الإيرانى ، وليس لأن النظام كف عن قمعه العنيف ، وأصبح ديمقراطيا حاميا للحريات.
ولا بأس أن يخطئ”نتنياهو” ، وأن يخطئ “ترامب” معه ، وأن يتورطوا فى خطايا حساب فادحة ، فالقوة العمياء لا ترى الحقيقة التى لا ترغبها ، وكان ذلك سببا إضافيا فى ثبات النظام الإيرانى ، وإثبات جدوى عقائده فى المواجهة ، فالحرب أو الحروب التى فرضت على إيران ، هى من نوع الحروب غير المتكافئة أو غير المتناظرة ، وهى حروب عرفتها المنطقة متتابعة عبر نحو ثلاث سنوات مضت ، ونهاياتها المكررة واحدة تقريبا ، فالعدو الذى يبدو أقوى عسكريا وتكنولوجيا واستخباراتيا بما لا يقاس ، لا ينتصر أبدا ولا يحقق أهداف حروبه ، بينما القوة المقاومة المقابلة لا تنهزم أبدا ، ولا تخرج من حلبات القتال ، وهى تثبت فى كل مرة أنها قادرة على جعل الهامش المعنوى فى الحروب متنا أكثر اتساعا ، وعلى سحب الاختلال فى موازين القوى المادية إلى الهامش ، إضافة لتفوقها على عدوها فى القيم الثقافية الإنسانية الكبرى ، وأهمها قيم “الاستشهاد” المقدس ، واحتمال التضحية والصبر على المكاره بغير حدود ، وتلك ذخائر لا تنفد مهما طالت حروب الاستنزاف ، بينما ذخائر العدو مهما ملك قابلة لنفاد

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

موافقة حماس على مشروع ترامب ضربة معلم !!

فاجأ دونالد ترامب العالم -بعد تغييب- بأن حركة حماس وافقت على التخلي عن سلاحها ، كجزء من صفقةٍ- اتفاق كان عقد قبل شهرين بتأليف مجلس سلام برئاسة ترامب نفسه ، مفوضا ملادينوف بإدارته...

سيكولوجيا "التنّور" البابلي: حين تنصهر الأخلاق السومرية على مقياس "الأمبير"!

من قمم جبال لبنان الوادعة، حيث لا يزال النسيم العليل يمارس حياده الدبلوماسي بعيداً عن حرائق الشرق الأوسط، تبدو مراقبة المشهد في بغداد وأخواتها أشبه بمتابعة فيلمٍ سرياليّ عن نهاية...

خلف: استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يؤكد ضرورة بقاء اليونيفيل

هزّ صباح اليوم تفجير إسرائيلي ضخم الجنوب اللبناني، ناجم عن عمليتي تفجير في محيط بلدة حداثا ومنطقة الشقيف، في اعتداء جديد يُضاف إلى سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، من تفجير...

قادة الجيش في رئاسة الجمهورية بعد الطائف: قراءة دستورية وسياسية في التجربة اللبنانية

إذا كانت رئاسة الجمهورية في لبنان، بعد اتفاق الطائف، قد فقدت جانباً مهماً من صلاحياتها التنفيذية لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً، فإن انتخاب أربعة قادة للجيش تباعاً لرئاسة الجمهورية...

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....