تساؤلات كثيرة تطرح في المجتمع العربي حول المثقف العربي، وهل نعيش سنوات عجافا تفتقد فيها الأمة وجود مثقفين فاعلين ؟ أم نحن أمام طفرة من المثقفين غير الثائرين؟ وأين دور المثقف في تغيير مجرى التاريخ؟
قبل الرد على هذه التساؤلات التي تتردد في مجتمعنا، اذكر نموذجين من المفكرين، في العالم الغربي والعالم العربي صنعوا ثورة حقيقية في الفكر وكانت بمثابة تحول تاريخي جذري في التفكير.
النموذج الأول هو ما طرحه جان جاك روسو في كتابه الشهير “إميل، أو في التربية”، الذي نشر عام 1762 وكان بمثابة رسالة في التربية. ولا يزال حتى اليوم أحد أكثر الأعمال قراءة وشعبية في فلسفة التربية. وشكل هذا الكتاب ثورة في تربية الطفل حيث اعتبر جان جاك روسو أن الطفل كائن متكامل ومستقل بذاته، وليس مجرد “شخص بالغ صغير” ينتظر النضج.
قبل هذا الكتاب، كان المجتمع يعامل الطفل كأنه رجل قاصر يجب تشكيله بسرعة، لكن روسو غير هذه النظرة تماماً.
النموذج الثاني هو فكرة جدل الإنسان الذي طرحه الدكتور عصمت سيف الدولة ليثبت ويبين فيه ان “الجدل” يتم في الإنسان، ذلك الكائن الذي يشكل وحدة من المادة والذكاء، يمارس الإنسان هذا الجدل وفق قانونه النوعي رداً على جدلية هيجل المثالية وجدلية ماركس المادية.
انطلاقا من هذين النموذجين نجد ان المثقف الثائر يملك القدرة في صناعة التحولات التاريخية في المجتمعات.
إن أمتنا ولادة ولا تفتقد الى وجود مثقفين، بل تفتقد الى المثقف الثائر صانع التحولات الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الخ… والأسباب كثيرة أذكر أهمها:
1- لا بد أن نقر ان هناك مثقفين ثائرين يكتبون أفكارا قيّمة قادرة على أن تصنع تحولات لكنهم للأسف مغيبون عن الساحة إعلاميا ورسمياً.
2- الخوف من تجاوز السلطة والنظام بالأفكار حتى يتجنب الاعتقالات والملاحقات.
3- الارتهان الى انظمة عربية بالية لتأمين سلامته أو قوت يومه.
4- السعي وراء لقمة العيش؛ في زمن غياب العدالة الاجتماعية. ففي وطننا العربي يعم الفقر والجوع، والمثقف فرد من هذا المجتمع عليه ان يحيا كسائر الأفراد ويسعى ليؤمن لنفسه ولعائلته لقمة العيش.
وهنا يأتي السؤال: كيف الخروج من هذا النفق؟
1- الحرية وحرية التعبير: يجب ان تصان الحرية حتى يتمكن المثقف من طرح أفكاره دون قيد أو شرط ودون خوف من العواقب. وحتى يتم ذلك لا بد من النضال المستمر لإقرار نظام يصون حريات الفرد وحرية المثقفين في أوطاننا.
2- العدالة الاجتماعية: حرية الرأي مرتبطة بشكل وثيق بلقمة العيش. فإذا كان المثقف جائعاً، فهو قد يرهن افكاره لسلطة ظالمة من أجل تأمين مدخول مالي. والنموذج الآخر من المثقفين، الذين لا يرتضون ان يبيعوا ضمائرهم مقابل المال، يتشتتون بأفكارهم لاضطرارهم للقيام بأعمال مورد رزقهم فلا يتفرغون بالكامل لصناعة التحولات التاريخية بأفكارهم.
3- دور الأعلام: تسليط الضوء على المثقفين الجدد الذين يقدمون افكارا جديدة تصب في مصلحة المجتمع وعامة الناس.
اختم بالقول مهما تعددت الأسباب والطروحات يبقى الإنسان الواعي، والذي يملك ضميرا حيا، هو أساس بناء المجتمعات لو اتيح له فرصة للتحرك في سبيل نهضة أمتنا العربية.


