خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لتكريه المسلمين في الشيوعية ،وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ، فاختاروا سيد قطب للقيام بهذه المهمة لأنه كان مؤثراً فعلاً ، ولكن سيد قطب عندما وصل أميركا لم يكن يحبها إطلاقا ، ووصفها بأنها بلاد باردة وأرسل الى صديقه الكاتب المعروف توفيق الحكيم ،وكتب له “أن أميركا هذه ورشة العالم إنها مكان للعمل والإنتاج فقط .
صحيح أنهم متقدمون جداً علمياً ولكن متخلفين شعورياً ، ولديهم كل شيء إلا الروح فأميركا هي أكذوبة العالم “، وفي الوقت الذي قتل فيه مؤسس الجماعةّحسن البنا يوم 12 فبراير 1949 ،وقالوا إن عدو أميركا الأول في الشرق قد مات فهللت أميركا لذلك ، ولم يكن سيد قطب مرتاحاً لهذا الموقف الأميركي الفج وكان حسن البنا زميل سيد قطب في دار العلوم وصديقه ، على الرغم من أن قطب لم يكن مهتما بحركة الاخوان ،وكان ملحداً وحتى بعد رجوعه الى الإسلام لم يفكر في حزب الاخوان نهائيا … لكن الاحتفال الكبير الذي جرى في أميركا لمقتل البنا استفز سيد قطب كثيراً ، وتعاطف بشدة مع الاخوان ..
وبدلاً من أن يكتب ضد الشيوعية ألف كتاب ” العدالة الاجتماعية في الإسلام ” وقال فيه أن لا الشيوعية تناسبنا ولا الرأسمالية سوف تناسبنا ، والحل الوحيد هو الإسلام ولا شيء غير الإسلام !!!ووضع إهداءً أول الكتاب … وفيه شيء من العجب وقال : الى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله في سبيل الله وعلى بركة الله أهدي هذا الكتاب .. وعندما وصل الكتاب الى مصر من أميركا نال شهرة كبيرة و ( كسر الدنيا كما يصف المصريون نجاح اي عمل فني او ادبي ) والنقاد قالوا فيه أن هذا الكتاب قدم أول نظرية اجتماعية سياسية رصينة ومحترمة يقدمها الفكر الإسلامي منذ قرون ..
وعندما قرأ الاخوان المسلمون الكتاب تبنوه واعتبروه موجهاً لهم ، وعندما عاد قطب الى مصر ذهبوا اليه مرحبين … وفي منتصف العام 1951 بدأ سيد قطب بمهاجمة الملك في مقالاته في جميع الصحف المصرية ، تلك التي تخص الشيوعيين والاخوان المسلمين وصحف الوفد وغيرها ، فأحبه الاخوان كثيراً واصبحوا أصدقاء لدرجة أن سيد قطب قال : لقد ولدت في العام 1951 كما قال قبل ذلك ” لقد وجدت القرآن ” وهذا يُظهر بقوة شخصية السيد قطب عندما يحب شيئاً يحبه بشدة ويرفع من شأنه، وعندما يُغير زأرت في امر ما يُهاجمه بشدة !!فالتحولات عنده سريعة وجذرية ، وهجوم سيد قطب الشرس على الملك لم يقربه من الاخوان فقط ،بل قربه بقوة من الضباط الأحرار…
وقال أحد الصحافيين أنه رأي بأم عينيه صوراً لسيد قطب قبل الثورة مع الضباط الأحرار في جنينة منزله في حلوان ، وانهم كانوا يجتمعون به .وعلى حد زعمه كان جمال عبد الناصر يرى سيد قطب “مفكراً عظيماً” من الضروري الاستماع اليه والوقوف على رأيه ، وكان سيد قطب مؤيداً لقيام الثورة في جميع مقالاته ،وذلك عندما قامت ثورة يوليو 1952 وسقط الملك وخصوصاً ان مجلس قيادة الثورة عين السيد قطب مستشاراً له ،وكان له مكتب خاص في المجلس ، وكان جمال عبد الناصر “مؤمناً به وبأفكاره لدرجة أنه أمر أن يُدرّس كتابه ” العدالة الاجتماعية في الإسلام ” للطلبة في المدارس الرسمية والجامعات “.
بالإضافة الى أنه عندما شكل المجلس لجنة تطوير التعليم كانت مؤلفة من عضوين فقط هما: سعيد العريان وسيد قطب ،وعندما حلت الثورة جميع الأحزاب وأنشأت هيئة التحرير ، كان جمال عبد الناصر سكرتير الهيئة وسيد قطب نائباً له … ولدى اصدار جريدة الجمهورية كان سيد قطب أول وأبرز الكتاب فيها ، وعندما حصلت أزمة عمال كفر الدوار ووصف مفتعليها بأنهم شيوعيين ويريدون قلب النظام وحكمت عليهم بالإعدام، لم يعترض سيد قطب على ذلك .. وكان قطب مؤيداً لمجلس قيادة الثورة بقوة .
بعد هذا المشوار الطويل من الوفاق والمحبة والتعاون بين سيد قطب والضباط الأحرار انقلب الأمر بينهما رأساً على عقب على الرغم من أن جمال عبد الناصر كان يريد ترشيح سيد قطب لوزارة المعارف ، وكان قطب موعوداً بذلك ..ولكن فجأة حرم عبد الناصر سيد قطب من الوزارة أرسل الأخير الى صديق له في أسيوط قائلاً : أن ” العسكر ” ..! استكتروا على سيد قطب وزارة المعارف والله سأجعلهم يدفعون ثمن استهانتهم بي غالياً … والذي روى هذه القصة هو المستشار الدمرداش العقالي جوز بنت أخت السيد قطب فقرر سيد قطب الإرتماء في أحضان الإخوان …مردداً أن الثورة حادت عن أهدافها والضباط الأحرار يريدون الانفراد بالحكم ، من تلك اللحظة تحولت مواقف سيد قطب 180 درجة .
انقلب الإخوان على الثورة لدرجة أنهم دعموا ضباط المدفعية لكي ينقلبوا على الحكم …والحكومة رصدت مكالمات مرشد الإخوان حسن الهضيبي مع جهات سياسية خارج مصر ، ومنذ ذلك التاريخ صارت الثورة عدوة الإخوان الاولى لدرجة أن جريدة الاخوان المسلمين الذي كان رئيس تحريرها سيد قطب لم تكن تُراقب من الجهات الأمنية للحصول لها على موافقة للنشر ، أصبح يُشطب الكثير من محتواها ويطلب منهم كتابة محتوىً جديداً ، تذمر سيد قطب من ذلك كثيراً وطلب اقفال الجريدة،، وهكذا كان فعلاً ، وبدأت حرب سيد قطب على الثورة …. فكان سيد قطب يصدر مناشير قوية ضد الثورة وضد الضباط الأحرار من تحريض على الثورة وعلى جمال عبد الناصر وتوزع على الجماهير ، فأطلق عليها إعلام الثورة وصف “حرب المنشورات “.
تركهم عبد الناصر ولم يصدر بحقهم أي إجراء الى أن جاء يوم 26 أكتوبر 1954 عندما جرت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في ميدان المنشية في الإسكندرية ، قال ناصر الدين النشاشيبي الصحافي العربي المعروف أن عبد الناصر فوجئ بقوة أول ما سمع صوت الرصاص فحسم القول أنا المقصود ، وهتف في الجماهير عبارته الشهيرة : ” فليبق كل في مكانه ، ولئن قتلوني فكلكم جمال عبد الناصر ، دمي فداكم روحي فداكم
وعلى الرغم من ان الاخوان ينفون تلك المحاولة ،، وينفون دورهم فيها إلا ان وثائق الاخوان التي نشر بعضها تؤكد ان المجرم الذي أطلق النار على عبد الناصر واسمه محمود عبد اللطيف يعترف انه عضو في الجهاز السري الذي ألفه الاخوان للقيام بالمهمات السرية …، وهنا كان الفراق الكبير بين الثورة وبين الاخوان المسلمين وتم القبض على زعماء الاخوان ومنهم سيد قطب


