السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

زياد الرحباني الراحل جسداً عبقريّة ابداع في مشروع وطني تحرّري لم يلن

نداء عودة

مات اليوم، جسد زياد، واما نحن ف “بعدنا طيبين قول الله” وهو عنوان البرنامج الانتقادي السياسي الذي كان زياد يقدمه مع المخرج الراحل جان شمعون  من مبنى  الإذاعة اللبنانية في الصنائع مع بداية الحرب الأهلية وتقطّع أوصال الوطن، بين بيروتين شرقية وغربية، وبين ذهنيتين متصارعتين، وكان جان كمثل صديقه زياد اختار، في خضمّ الانقسام الذي تحوّل مذهبياً وعرقياً مريضاً، اختار ان يكون فنه وقودا من أجل مشروع وطني جامع، الأمر الذي جمعه بجان شمعون، المخرج الفنان الذي كرّس حياته من أجل فلسطين ومن أجل مشروع وطني جامع وكثيرا ما وصف جان  نفسه بأنه “الخروف الأسود في آل شمعون، البيت السياسي الذي حدّد اتجاهاً مغايراً، سيكون زياد اليوم مع صديقه جان في مكان آخر بعد نضال تحرّري طويل، لم يؤت ثماره لان الخرفان السود تسير عكس القطيع وتتمرّد عليه، ولان القوى” العطمى” ستترك كل خروف اسود يسير وحيداً وهو يتفرج على مهازل ابواق المحاور السياسية وتسطيح دور الفن والثقافة الى حدّ التجاهل، فكل معاند لهذا الواقع الانقسامي المذهبي املا بمشروع وطني حقيقي هو ” خروف اسود” في بلادنا كساحة مُستعمرة ومتروكة لصراعات أهلية دامية،
ولانّ الخروف مميّز عن القطيع، فقد دعيَ بالاسود ليس كدلالة عنصرية وإنما كدلالة على اضطهاده.. نعم هناك ثمن يدفعه من لا يقبل ان يسير ضمن القطيع اللاهث وراء “السيد الاميركي ( الأبيض)  ووراء مأسسة الانقسامات  الضيّقة و الانتفاع منها، وهناك ثمن كبير دفعه زياد وكثير من رفاقه الذين كانوا ارفع فكريا ونضالياً وفنياً وحتى انسانياً من التبعيات والاستفادة منها، عندما نذكر زياد الرحباني كراحل جسداً، سنذكر معه جان شمعون وماهر اليماني  وكذلك جوزيف سماحة وسماح إدريس وغيرهم…
أمّا عن عبقرية زياد الرحباني الموسيقية، فلم تكن عبقرية  مجردة من الفكرة والمشروع ولذلك امتدت لمصر والعالم العربي والغربي، لقد امهر زياد موسيقاه ومسرحه بقضايا شعبه، وحين اختار خطه السياسي الواضح في بلد منشطر الي نصفين، لم يمنع هذا الخيار كل الشارع اللبناني عن محبته واحترام فكره وحفظ اعماله المسرحية والموسيقية في الذاكرة الجمعية والوجدان الوطني وهذا نادراً ما يحدث.
كان زياد باعماله مرجعاً ابداعياً وتوثيقياً للبيت اللبناني بما فيه من تناقضات استشرف من خلالها ما سيصل اليه الوطن من اهتراء، لا بسبب التناقضات، بل بسبب صيغة عنصرية استعمارية مسدودة الأفق، وتبدو مدعاة للسخرية في موسيقا وفي  مسرحه الذي لم يعد مرغوباً به من قبل أمراء الحرب، إذ ظلّ المسرح يصارع من أجل البقاء في حين سدّ الصراع الاهلي أبواب مسارح بيروت، وظل زياد الرحباني متنسكاً بلبنان رغم العروض المغرية للعيش في أوروبا والتفرّغ للتأليف الموسيقي، في حين  ظلّ لبنان يمعن في إقصاء مبدعيه وتهميشهم، ذلك لان المؤامرة مستمرّة، والفيلم الاميركي طويل، وإذا حصل هدوء فسيكون هدوءً نسبيّاً، كما بقي بلد زياد ذي الصيغة الطائفية العقيمة على شاكلة أغنيته “قوم فوت نام وصير حلام، انو بلدنا صارت بلد، قوم فوت نام، هالايام حارة بيسكرها ولد، هاي بلد، لا مش بلد، هاي قرطة عالم مجموعين، لا مضروبين، لا مقسومين……
عاش زياد متمرّداً  حتى على نمطية الأغنية التي تحاكي لبنان ومنها لوالده عاصي، ف” بخصوص الكرامة والشعب العنيد” تبدو رداً تصويبياً على لبنان الكرامة والشعب العنيد كما غنتها والدته السيدة فيروز، زياد أراد الخروج من شرنقة الأغنية ذات الخطاب النمطي، ليذهب الى نقد لبنان وفلفشة شارعه المتصارع، بما فيه  من فقراء ومنسيين ومنسيات.. واستطاع ان يقود فيروز لهذا التمرّد في أغنياتها منذ مطلع التسعينيات كاغنيات تحمل خطاباً أكثر جرأة، وكموسيقى عبقرية ذات مستوى عابر لاية حدود.

وعلى الاقل، فقد غاب زياد عن المشهد في الأعوام الأخيرة التي شهدت انهياراً بالمعنى الوطني والفكري، لقد عاد الواقع اللبناني الى تشكيل انقساماته مثلما كانت عليه في عشية الحرب الأهلية، ولم تعد السخرية تجدي نفعاً، كما ضاقت الظروف بالمسرح وصناعه. الشارع اللبناني لا يتسع لأصحاب المشاريع الوطنية ولا يحتمل إبداع فنانينه، ومع الأسف انه يحتمل الولد الذي يغلق الحارة على أهلها، ومشاريع التقسيم في غير بلد تسير علي قدم وساق وكان مستنقعات المذاهب والقبائل المتناحرة عادت على بدء، حيث لم يعد الفن الهادف يشفي ولم يعد للعقلاء و المبدعين  امكنتهم في حين احتلت  الصراعات الضيقة المشهد وتسيّدت عليه.. هنا صمت زياد الرحباني وفي صمته غضب ورفض واضحين.
رحل جسده، لكنه المشروع الإبداعي والنضالي الذي لم يلين و لن يرحل.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...