منذ سقوط نظام حزب البعث في العام 2003، على يد الاحتلال الاميركي ، دخلت القوى و الأحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق بقوة إلى العملية السياسية، قادمة من عقود من المعارضة والمنفى، مراهنة على “لحظة التمكين” لتطبيق مشروعها “الإسلامي “الذي طالما بشّرت به. غير أن المسار لم يَسِر كما أرادت تلك القوى والأحزاب السياسية الإسلامية . حيث بعد أكثر من 25 عامًا من الحُكم والمشاركة السياسية، وجدت نفسها محاصَرة بكمٍّ هائل من الإخفاقات السياسية، والتناقضات الفكرية، والأنشقاقات التنظيمية، وفقدان الثقة الشعبية، من دون أن تنجح في تقديم نموذج حكم ناجح، أو صياغة نظرية سياسية متماسكة ،تتجاوز المظلومية والطائفية.
صعود في لحظة فراغ _
شكل سقوط نظام البعث العراقي في 9 نيسان العام 2003. لحظة فاصلة في تأريخ العراق الحديث فقد أتاح للمعارضة العراقية، وخصوصًا القوى واحزاب الإسلام السياسي الشيعي، العودة من المنفى إلى الداخل، ووراثة مؤسسات الدولة المنهارة. خلال سنوات قليلة، أصبحت هذه القوى و الأحزاب السياسية – وعلى رأسها “حزب الدعوة الإسلامية”، “المجلس الأعلى الإسلامي “، و”التيار الصدري” – وتيار الحكمة ومنظمة بدر وحزب الفضيلة وغيرها تتقاسم السلطة التنفيذية والتشريعية، مدعومة بخطاب طائفي وشعبي يروّج لـ”أستعادة حقوق الأغلبية الشيعية”.
و لكن ذلك الصعود كان محفوفًا بإشكاليات جوهرية: إذ لم يأتِ كثمرة ثورة شعبية داخلية أو مشروع تغييري منضج، بل كنتيجة مباشرة لإحتلال أميركي، وترحيب إيراني أتاح لهذه القوى والأحزاب السياسية فرصة الوصول إلى سدة الحكم، قبل أن تمتلك أدواته.
مأزق في الفكر السياسي: من “الدولة الإسلامية” إلى شعارات بلا مضمون _
يُجمع المراقبون على أن قوى و أحزاب الإسلام السياسي الشيعي لم تطوّر مشروعًا سياسيًا واضحًا بعد العام 2003. فمع أن حزب الدعوة الإسلامية ، مثلًا، لطالما نادى في أدبياته الأولى بإقامة “الدولة الإسلامية”، فإن هذا الشعار أختفى من خطاب الحزب بعد دخوله الحكم، ليحل محله خطاب غائم عن “الديمقراطية الإسلامية” أو “الدولة العصرية”.
وفي السياق ذاته، تراجعت أطروحات “المجلس الأعلى الإسلامي ” عن ولاية الفقيه بعد إغتيال مؤسسه السيد محمد باقر الحكيم في العام 2003. ليتحول لاحقًا إلى حزب سياسي تقليدي يخوض صراعات السلطة عبر ائتلافات ومحاصصات، بينما تبنى تيار الحكمة بقيادة السيد عمار الحكيم شعارات مرنة مثل “الشراكة الوطنية” و”الدولة العادلة”، من دون ترجمتها إلى سياسات أو مؤسسات. وكذلك تبنئ زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر مشروع الإصلاح بكل أنواعه. . ولم يثمر اي فعل حقيقي
وحيث أن معظم هذه القوى و الأحزاب السياسية أنتقلت من الإسلام السياسي إلى الإسلام السلطوي، حيث لم تعد تملك مشروعية فكرية، بل فقط مشروعية الأمر الواقع والتحالفات السياسية.
من المظلومية إلى الفساد _
في أعوام المعارضة ضد نظام حزب البعث ، كانت هذه الأحزاب والقوى السياسية تُقدّم نفسها كمظلومة وكصوت للطبقات المهمشة. غير أن تجربة الحكم أثبتت أن التمركز في السلطة جرّها نحو ممارسات الأستحواذ، والإقصاء، وتقاسم المغانم. فبدلاً من بناء دولة المؤسسات، ساهمت هذه القوى والأحزاب السياسية في تكريس دولة “المحاصصة الطائفية”، وتحولت من رموز وطنية إلى متهمين بالفساد وتدمير الدولة.
حيث كان ينظر إليهم أنهم سوف يبنون الدولة بعد أعوام من المقاومة ضد سلطة البعث
الأحتجاجات الشعبية _ تشرين _
شكلت تظاهرات تشرين الأول العام 2019. نقطة تحول كبرى. حيث أن الغضب الشعبي خرج هذه المرة من داخل المناطق الشيعية نفسها، مطالبًا بإسقاط النظام السياسي الطائفي، وموجّهًا أنتقادات غير مسبوقة للأحزاب و القوئ السياسية الشيعية التي حكمت البلاد. رفع المتظاهرون شعارات صريحة ضد المرجعيات الحزبية، وهاجموا مقرات تيار الحكمة، وأئتلاف الفتح، وحزب الدعوة الإسلامية ، والتيار الصدري.
كما شهدت الإنتخابات البرلمانية الأخيرة عزوفًا واسعًا عن التصويت، ما عكس تراجع الثقة العامة، ووجود أزمة تمثيل حقيقية.
التجربة الإيرانية: المقارنة الغائبة _
يستحضر كثير من المحللين التجربة الإيرانية، حيث ظهرت التيارات والأحزاب الفكرية الأصلاحية مثل السيد محمد خاتمي، وعبد الكريم سروش، ومحسن كديور بعد سنوات من الثورة الإسلامية في إيران ،أما في العراق، فحتى الآن، لم تتبلور أي حركة فكرية داخل التيار الإسلامي الشيعي تعيد تقييم التجربة أو تقدم نقدًا جريئًا لها.
حيث أن الإسلام السياسي الشيعي في العراق ،لم يفرز مفكرين نقديين، بل فقط موظفين حزبيين ومروجين إعلاميين. . وهذا يعتبر جزءاً من الأزمة الفكرية العميقة.
التيار الصدري لاعب إسلامي أصلاحي _
و يعد التيار الصدري حالة فريدة من نوعها. فهو من جهة، يتموضع كـمعارضة شعبية سياسية ،ومن جهة أخرى فهو شريك في الحكم .. على الرغم من ان زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر تبنّى مشروع الإصلاح ومن ناحية الزعامة الأبوية والشعبوية وهذا مما جعله يؤسس لصورة إسلامية أصلاحية لبناء الدولة و مؤسساتها الحقيقية.. لكن هذا يظل نظرياً حتى الآن
المستقبل: إلى أين؟ _
تشير المعطيات إلى أن قوى الإسلام السياسي الشيعي في العراق تواجه أزمة متصاعدة على مستوى الشرعية، الفكر، والتنظيم. فمع تآكل ثقة الجمهور، وغياب الطروحات السياسية المتجددة، تصبح خيارات هذه القوى محدودة: إما أن تُقدِم على مراجعة فكرية وسياسية شاملة، تنهي معها عصر “الإسلام الحزبي”، أو أن تستمر في التراجع التدريجي حتى تصبح من دون اي قاعدة شعبية أوفعالية سياسية.
الخلاصة
بعد عقدين من الحكم، تجد قوى الإسلام السياسي نفسها أمام جردة حساب قاسية. لم تعد قادرة على الترويج لشعارات الديمقراطية ، ولم تنجح في إدارة الدولة أو تقديم نموذج حكم بديل. ومثلما خرجت من رحم المعارضة يوماً، فإن أستمرارها في الحكم من دون مشروع فكري وسياسي، قد يجعلها تخرج مجددًا – ولكن هذه المرة من أبواب السخط الشعبي وفقدان المشروعية.


