منذ لحظة وصول المبعوث الأميركي توم باراك ترافقه مورغان اورتاغوس إلى بيروت وسفرهما إلى تل أبيب كانت العيون شاخصةً إلى ما سيحملان معهما من رسائل وما سيأخذاه معهما من عاصمةٍ إلى أخرى. فالمبعوثان ليسا مجرّد زائرَين عابرَين، بل هما مبعوثان يحملان في جعبتهما خارطة طريقٍ وضعتها واشنطن ونسّقتها مع تل أبيب، عنوانها العريض دون التّراجع عنه نزع سلاح حزب الله تدريجيًا.
في بيروت كانت الرّسائل واضحةً عندما التقى باراك وأورتاغوس بالرّؤساء الثّلاثة، وقدّما لهم تصوّرًا أميركيًا يقوم على ثلاث نقاطٍ أساسية، على الحكومة اللّبنانية أن تبدأ بخطوةٍ أولى ملموسةٍ لإظهار جدّيةٍ في التّعامل مع ملفّ السّلاح، هذه الخطوة يجب أن تتمّ خلال فترةٍ زمنيةٍ محدّدةٍ لا تتجاوز ثلاثة أشهر، في المقابل ستضغط واشنطن على إسرائيل لعدم القيام بأيّ ضربةٍ عسكريةٍ شاملةٍ للبنان طالما أنّ المسار السّياسيّ مفتوحٌ.
بمعنى آخر، واشنطن قالت بوضوحٍ أمامكم مهلةً قصيرةً كما قالوا في السّابق ، وإلّا فإنّ الحرب قادمة.
في تل أبيب الحسابات مختلفةٌ بانتقال باراك واورتاغوس بعد ذلك إلى إسرائيل، حيث التقيا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقياداتٍ أمنية عُليا. هناك، تغيّر الخطاب بعض الشّيء، إسرائيل اعتبرت أنّ “خطوة أولى” من لبنان لا تكفي، وأنّ المطلوب هو التزامٌ كاملٌ بجدولٍ زمنيٍّ لإنهاء ملفّ السّلاح.
نتنياهو أوضح لباراك واورتاغوس أنّ الضّمان الوحيد لتجنّب الضّربة ليس مجرّد بوادر حسن نية، بل اتفاقٌ مكتوبٌ أو تفاهمٌ واضحٌ يحدّد مراحل نزع السّلاح الّذي يصرّون عليه ، ومع ذلك، رضخت إسرائيل ولو مؤقّتًا للضّغط الأميركي الّذي يرفض التّصعيد الآن، خصوصًا مع انشغال واشنطن بملفّاتٍ إقليميةٍ أخرى، منها سوريا والعراق والبحر الأحمر.
ألسّؤال الّذي يُطرح هل أُبعد شبح الضّربة عن لبنان؟
ألجواب الدّقيق نعم تمّ تأجيل الضّربة، لا إلغاؤها.
فعلى المدى القصير زيارة باراك واورتاغوس نجحت في منح لبنان مهلة تنفّسٍ بعد لقائهما وتشاورهما مع الرّؤساء الثّلاثة خاصةً مع رئيس المجلس النّيابي المعروف بفنّ تدوير الزّوايا فهو يُرضي الأميركيّ بالتّلميح إلى المرونة، ويُطمئن الحزب بالتّأكيد على صلابة الموقف، ويُعطي الانطباع للشّعب بأنّ الأزمة تحت السّيطرة.
وأوقفت أيّ اندفاعة إسرائيلية نحو حربٍ واسعةٍ في الأسابيع المقبلة.
أمّا على المدى المتوسّط إذا شعرت إسرائيل بأنّ لبنان يُماطل، أو أنّ حزب الله يرفض الانخراط في المسار، فإنّ التّهديد سيعود مضاعفًا. بل قد تكون الضّربة أوسع وأشدّ، باعتبارها “الفرصة الأخيرة” لفرض الشّروط بالقوّة.
ما بين بيروت وتل أبيب، ترك باراك واورتاغوس خلفهما واقعًا جديدًا، فلبنان يظنّ أنّه كسب وقتًا ثمينًا بينما إسرائيل تعتقد أنّها وضعت لبنان في فخّ مهلة التّفاوض، حيث سيكون أيّ تأخيرٍ أو تلكؤ مبرّرًا لضربةٍ ساحقة.
أمّا واشنطن، فهي ترى أنّ نجاح مهمّتها يُقاس بمدى قدرة لبنان على تقديم تنازلاتٍ تحفظ لإسرائيل أمنها، وتمنع في الوقت نفسه اندلاع حربٍ قد تُطيح بكلّ مشاريعها الإقليمية.
زيارة توم باراك واورتاغوس إلى لبنان ثمّ إلى إسرائيل لم تكن جولةً دبلوماسيةً عابرةً، إنّها أشبه بلعبة شطرنج، حيث تحاول واشنطن أن تمنع الحرب مؤقّتًا، بينما تضع بيروت أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا الانخراط في مسار خارطة الطّريق الّتي رسموها وفق شروطٍ قاسيةٍ، أو مواجهة ضربةٍ إسرائيليةٍ قد لا ترحم أحدًا..
واخيراً
من يراجع الخطاب الأخير لامين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم يفهم طبيعة الكلام السياسي الكبير الذي اثار عاصفة واسعة من الاعتراض والتأييد !!


