الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مِنَ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ… إلى المجلسِ الأعلى اللُّبنانيِّ الإسرائيليِّ؟

منذ أن جُمِّدَ عملُ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ، بدأت تَلوحُ في الأُفقِ ملامِحُ مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقةِ بين بيروتَ ودمشقَ، عنوانُها الظاهرُ “الاستقلالُ الكاملُ”، أمّا باطنُها فـ“الانفكاكُ التدريجيُّ مِن محورِ الممانعةِ” تحتَ ضغطِ الخارجِ. غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ، والأكثرَ إيلامًا، هو:
هل كان المقصودُ مِن تعليقِ المجلسِ مع سورية تمهيدًا لِوِلادةِ مجلسٍ أعلى آخر… ولكن هذه المرّةَ مع “إسرائيلَ”؟

إنّ مَن يُتابِعُ تفاصيلَ الكواليسِ الدبلوماسيَّةِ، يُدرِكُ أنّ المشهدَ لا يسيرُ في فراغٍ. فكلُّ ما يُطرَحُ اليومَ تحتَ مسمّى “تثبيتِ الاستقرارِ على الحدودِ الجنوبيَّةِ”، أو “ترسيمِ الحدودِ البرِّيَّةِ والبحريَّةِ النهائيَّةِ”، لا ينفصلُ عن رؤيةٍ دوليَّةٍ تَهدِفُ إلى تحويلِ خطوطِ النارِ إلى خطوطِ تواصُلٍ، ولكن مِن البابِ الخلفيِّ، لا مِن بوّابةِ السَّلامِ المُعلَنِ.

إنّ القوى التي تُسمِّي نفسَها اليومَ “سياديَّةً”، وتُهلِّلُ لِفكِّ الارتباطِ بسورية ، لا تُدرِكُ أو لعلّها تُدرِكُ جيّدًا أنّها تُمهِّدُ الطريقَ لِارتباطٍ مِن نوعٍ آخر، ارتباطٍ صامِتٍ ومُغلَّفٍ بالشَّرعيَّةِ الدوليَّةِ.
فبدلًا مِن أن يُسمّى “مجلسًا أعلى لُبنانيًّا إسرائيليًّا”، سيُنشأ كما تُسرِّبُ بعضُ الأوساطِ كهيئةٍ تقنيَّةٍ أو لجنةٍ مُشتركةٍ لِمُتابعةِ تنفيذِ القراراتِ الدوليَّةِ، برعايةِ الأُممِ المُتَّحدةِ والوسيطِ الأَميركيِّ، ورُبَّما بواجهةٍ أُوروبيَّةٍ “مُحايدةٍ”.

لكنّ الحقيقةَ، مَهما تغيَّرت الأسماءُ، تبقى واحدةً:
إنّ أيَّ لجنةٍ دائِمةٍ تجمعُ لُبنانَ و”إسرائيلَ” على طاولةٍ واحدةٍ تحتَ بندِ “التنسيقِ الأمنيِّ أو الاقتصاديِّ” هي عمليًّا بدايةُ تطويع رسميٍّ مُقنَّعٍ، يُمهِّدُ لِتحويلِ الصِّراعِ إلى “إدارةٍ مُشتركةٍ للمصالحِ”، لا إلى صِراعٍ على الحقوقِ والسِّيادةِ.

ومِنَ المُفارقاتِ أنّ الذين يرفعونَ شعارَ “لُبنانَ أوّلًا”، سيكتشفونَ لاحقًا أنّهم جعلوا لُبنانَ آخِرًا في سُلَّمِ القرارِ الوطنيِّ، بعد أن سلَّموا حدودَه وملفّاتِه بيدِ مَن كانوما زال عدوًّا مُعلَنًا، وصارَ اليومَ “جارًا مقبولًا” بحُجَّةِ التهدِئةِ والازدهارِ.

أمّا الشَّعبُ، الذي يعيشُ ويلاتِ الانهيارِ، فقد يُخدَعُ بوهجِ الأرقامِ والمشاريعِ والوعودِ، فيظنُّ أنّ ما يُقدَّمُ له “سَلامٌ اقتصاديٌّ” هو مخرجٌ مِن أزماتِه، بينما هو في جوهرِه فقدانٌ بطيءٌ للهويَّةِ والكرامةِ والسِّيادةِ.

يا مَن تدَّعونَ السِّيادةَ، السِّيادةُ ليست برفعِ الشِّعاراتِ ولا بِمُقاطعةِ دمشقَ “السّابقةِ”، بل بالثَّباتِ على الحقِّ، وبِالجُرأةِ على رفضِ أيِّ وصايةٍ جديدةٍ تُغلِّفُ نفسَها بشعارِ “الاستقرارِ”.
فإذا كان المجلسُ السُّوريُّ اللُّبنانيُّ قد انتهى سياسيًّا، فلا تجعلوا لُبنانَ يدخُلُ طوعًا في مجلسٍ أعلى مع العدوِّ، ولو باسمٍ جديدٍ ومنديلٍ أبيضَ.

إنّ المقاومةَ والدَّولةَ معًا أمامَ امتحانٍ تاريخيٍّ: إمّا التمسُّكُ بالثَّوابتِ الوطنيَّةِ التي حفظت لُبنانَ رغمَ الجراحِ، وإمّا الانزلاقُ نحو “تطويع ناعمٍ” سيجعلُنا أسرى توقيعٍ لم يُعلَن بعدُ.

إحذروا الصَّمتَ، فإنّ ما يُصاغُ في الغُرَفِ المُغلَقةِ اليومَ، سيُعلَنُ غدًا على شكلِ “اتِّفاقٍ تاريخيٍّ” يُقالُ عنه إنّه أنقذَ لُبنانَ، بينما يكونُ قد سلَّمَه رسميًّا إلى يدٍ كانت يومًا تُضرِبُه بالنّارِ.
سيستيقظُ اللُّبنانيُّونَ ذاتَ صباحٍ ليجدوا أنّ الحدودَ التي حمتهم صارت بوّابةَ عبورٍ لِلتِّجارةِ والتطبيعِ، وأنّ المقاومةَ صارت عنوانًا مُحرِجًا يُطلَبُ شطبُه مِنَ القاموسِ السياسيِّ.
وعندها فقط، سيُدرِكُ البعضُ ولكن بعدَ فَواتِ الأوانِ أنّ المجلسَ الأعلى الجديدَ لم يُنشأ لِحمايةِ لُبنانَ… بل لِحُكمِه مِنَ الخارجِ.
فهل ننتظرُ الإعلانَ الرسميَّ؟
أم نكتُبُ نحنُ سُطورَ الرَّفضِ الأخيرةَ قبلَ أن تُكتَبَ الهويَّةُ بأيدٍ أُخرى؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...