الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مِنَ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ… إلى المجلسِ الأعلى اللُّبنانيِّ الإسرائيليِّ؟

منذ أن جُمِّدَ عملُ المجلسِ الأعلى السُّوريِّ اللُّبنانيِّ، بدأت تَلوحُ في الأُفقِ ملامِحُ مرحلةٍ جديدةٍ في العلاقةِ بين بيروتَ ودمشقَ، عنوانُها الظاهرُ “الاستقلالُ الكاملُ”، أمّا باطنُها فـ“الانفكاكُ التدريجيُّ مِن محورِ الممانعةِ” تحتَ ضغطِ الخارجِ. غيرَ أنّ السؤالَ الأعمقَ، والأكثرَ إيلامًا، هو:
هل كان المقصودُ مِن تعليقِ المجلسِ مع سورية تمهيدًا لِوِلادةِ مجلسٍ أعلى آخر… ولكن هذه المرّةَ مع “إسرائيلَ”؟

إنّ مَن يُتابِعُ تفاصيلَ الكواليسِ الدبلوماسيَّةِ، يُدرِكُ أنّ المشهدَ لا يسيرُ في فراغٍ. فكلُّ ما يُطرَحُ اليومَ تحتَ مسمّى “تثبيتِ الاستقرارِ على الحدودِ الجنوبيَّةِ”، أو “ترسيمِ الحدودِ البرِّيَّةِ والبحريَّةِ النهائيَّةِ”، لا ينفصلُ عن رؤيةٍ دوليَّةٍ تَهدِفُ إلى تحويلِ خطوطِ النارِ إلى خطوطِ تواصُلٍ، ولكن مِن البابِ الخلفيِّ، لا مِن بوّابةِ السَّلامِ المُعلَنِ.

إنّ القوى التي تُسمِّي نفسَها اليومَ “سياديَّةً”، وتُهلِّلُ لِفكِّ الارتباطِ بسورية ، لا تُدرِكُ أو لعلّها تُدرِكُ جيّدًا أنّها تُمهِّدُ الطريقَ لِارتباطٍ مِن نوعٍ آخر، ارتباطٍ صامِتٍ ومُغلَّفٍ بالشَّرعيَّةِ الدوليَّةِ.
فبدلًا مِن أن يُسمّى “مجلسًا أعلى لُبنانيًّا إسرائيليًّا”، سيُنشأ كما تُسرِّبُ بعضُ الأوساطِ كهيئةٍ تقنيَّةٍ أو لجنةٍ مُشتركةٍ لِمُتابعةِ تنفيذِ القراراتِ الدوليَّةِ، برعايةِ الأُممِ المُتَّحدةِ والوسيطِ الأَميركيِّ، ورُبَّما بواجهةٍ أُوروبيَّةٍ “مُحايدةٍ”.

لكنّ الحقيقةَ، مَهما تغيَّرت الأسماءُ، تبقى واحدةً:
إنّ أيَّ لجنةٍ دائِمةٍ تجمعُ لُبنانَ و”إسرائيلَ” على طاولةٍ واحدةٍ تحتَ بندِ “التنسيقِ الأمنيِّ أو الاقتصاديِّ” هي عمليًّا بدايةُ تطويع رسميٍّ مُقنَّعٍ، يُمهِّدُ لِتحويلِ الصِّراعِ إلى “إدارةٍ مُشتركةٍ للمصالحِ”، لا إلى صِراعٍ على الحقوقِ والسِّيادةِ.

ومِنَ المُفارقاتِ أنّ الذين يرفعونَ شعارَ “لُبنانَ أوّلًا”، سيكتشفونَ لاحقًا أنّهم جعلوا لُبنانَ آخِرًا في سُلَّمِ القرارِ الوطنيِّ، بعد أن سلَّموا حدودَه وملفّاتِه بيدِ مَن كانوما زال عدوًّا مُعلَنًا، وصارَ اليومَ “جارًا مقبولًا” بحُجَّةِ التهدِئةِ والازدهارِ.

أمّا الشَّعبُ، الذي يعيشُ ويلاتِ الانهيارِ، فقد يُخدَعُ بوهجِ الأرقامِ والمشاريعِ والوعودِ، فيظنُّ أنّ ما يُقدَّمُ له “سَلامٌ اقتصاديٌّ” هو مخرجٌ مِن أزماتِه، بينما هو في جوهرِه فقدانٌ بطيءٌ للهويَّةِ والكرامةِ والسِّيادةِ.

يا مَن تدَّعونَ السِّيادةَ، السِّيادةُ ليست برفعِ الشِّعاراتِ ولا بِمُقاطعةِ دمشقَ “السّابقةِ”، بل بالثَّباتِ على الحقِّ، وبِالجُرأةِ على رفضِ أيِّ وصايةٍ جديدةٍ تُغلِّفُ نفسَها بشعارِ “الاستقرارِ”.
فإذا كان المجلسُ السُّوريُّ اللُّبنانيُّ قد انتهى سياسيًّا، فلا تجعلوا لُبنانَ يدخُلُ طوعًا في مجلسٍ أعلى مع العدوِّ، ولو باسمٍ جديدٍ ومنديلٍ أبيضَ.

إنّ المقاومةَ والدَّولةَ معًا أمامَ امتحانٍ تاريخيٍّ: إمّا التمسُّكُ بالثَّوابتِ الوطنيَّةِ التي حفظت لُبنانَ رغمَ الجراحِ، وإمّا الانزلاقُ نحو “تطويع ناعمٍ” سيجعلُنا أسرى توقيعٍ لم يُعلَن بعدُ.

إحذروا الصَّمتَ، فإنّ ما يُصاغُ في الغُرَفِ المُغلَقةِ اليومَ، سيُعلَنُ غدًا على شكلِ “اتِّفاقٍ تاريخيٍّ” يُقالُ عنه إنّه أنقذَ لُبنانَ، بينما يكونُ قد سلَّمَه رسميًّا إلى يدٍ كانت يومًا تُضرِبُه بالنّارِ.
سيستيقظُ اللُّبنانيُّونَ ذاتَ صباحٍ ليجدوا أنّ الحدودَ التي حمتهم صارت بوّابةَ عبورٍ لِلتِّجارةِ والتطبيعِ، وأنّ المقاومةَ صارت عنوانًا مُحرِجًا يُطلَبُ شطبُه مِنَ القاموسِ السياسيِّ.
وعندها فقط، سيُدرِكُ البعضُ ولكن بعدَ فَواتِ الأوانِ أنّ المجلسَ الأعلى الجديدَ لم يُنشأ لِحمايةِ لُبنانَ… بل لِحُكمِه مِنَ الخارجِ.
فهل ننتظرُ الإعلانَ الرسميَّ؟
أم نكتُبُ نحنُ سُطورَ الرَّفضِ الأخيرةَ قبلَ أن تُكتَبَ الهويَّةُ بأيدٍ أُخرى؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...