الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من الأشرفية إلى حيّ السلم: كيف نجونا من الحرب بالجيرة

لم يكن في بال الحاج علي، المولود في محلّة الأشرفية، أن الجغرافيا يمكن أن تنقلب فجأة إلى سؤال، وأن الاسم قد يصبح بطاقة عبور أو سبب توقّف. لم يكن يتخيّل أن أمواج التهجير القسري التي فجّرتها الحرب الأهلية المشؤومة ستنتزعه من ذاكرته الأولى، وتلقي به في مكان لا يشبه سوى قلق البدايات.

يقول: وُلدت في الأشرفية، كبرت بين شوارعها، وحملت رائحتها معي إلى المدرسة، إلى اللعب، إلى صداقات لم تكن تعرف الطوائف، ولا تسأل عن الأسماء. هناك، لم يكن الاختلاف عائقًا، بل تنوّعًا طبيعيًا، كألوان البيوت المتجاورة. إلى أن جاء عام 1975، وقررت الحرب أن تعلّمنا قسوة الخرائط.

خرجنا من المنطقة بلا وداع. سيارة تمضي، وقلوب معلّقة خلف الزجاج. لا نعرف إلى أين نذهب، فقط نبتعد. توقّفت السيارة في مكان يُقال له تحويطة الغدير. سأل والدي: كيف نصل إلى حيّ السلم؟ فجاء الجواب عاديًا، كما لو أن الأمر لا يعني اقتلاع عمرٍ كامل: «بوجهك على طول… ثم على اليسار».

كان البيت كبيرًا، تحيط به أشجار الزيتون والليمون، كريمة في عطائها، صامتة في غربتها. ومع ذلك، شعرت أن شيئًا ما مكسور في داخلي. لم يكن البيت ناقصًا، كنت أنا الناقص. تركتُ هناك، في الأشرفية، طفولتي، وأصوات الجيران، وتمثالًا صغيرًا للسيدة العذراء عليها السلام، كنت أضعه قرب سريري، وأستمدّ منه كل صباح طمأنينة لا تُشبه شيئًا آخر.

وكأن الأمهات يمتلكن حاسة لا تخطئ، لقد قرأت أمي ما في خاطري، وقالت فجأة: «يا علي، حطّ تمثال السيدة العذراء عالباب».

تنفّستُ بعمق. كان التمثال معنا. حملناه كما يحمل المرء قلبه حين يترك كل شيء خلفه. وضعته عند الباب، وجلست أفتّش في كيسٍ صغير عن كنزٍ آخر، رسائل أصدقائي في المدرسة. قرأتها واحدةً واحدة. لم أجد فيها ما يشير إلى اختلاف، أو خوف، أو مسافة. وجدت حبًا صافياً، وحنينًا بريئًا، ووعودًا صغيرة لا تعرف أن الحرب ستسرقها.

مرّت السنوات… وفي عام 1987، عند أحد الحواجز الميليشياوية، توقّفت مجددًا. أوقفوني على اليمين. لم أكن مشتبهًا، ولا مطلوبًا، فقط اسمي كان “علي”.

وفي لحظة لا تُنسى، خرجت «الطانْت تريز» من سيارتها، وبرفقتها زوجها الخواجة فريد. الجارة نفسها، الوجه نفسه، الذاكرة نفسها. اقتربت من الحاجز، وقالت بصوت لا يعرف الخوف: «شو بدكن بهالناس؟ بس اسمُه علي؟ الله ما بيرضى بالظلم».

لم تكن تدافع عن شخص، بل عن فكرة. عن زمنٍ لم تكن فيه الأسماء تُحاكم، ولا الهويات تُفتّش. تأثّرت قبل مسؤول الحاجز، الذي قال لي بهدوء: «روح على بيتك».

وبعفوية لا شعورية ركضتُ نحوها لأشكرها، فابتسمت تلك الابتسامة التي تشبه البيوت القديمة والجيرة القديمة، وقالت: «على شو بدك تشكرني؟ أنتم كنتم أحلى جيران. سلّم على إم علي… وخلّونا نشوفكم».

في تلك اللحظة، أدركت أن الوطن ليس مساحة تُرسم بالخرائط، بل علاقة تُبنى بين الناس. وأن الجيرة الصادقة قادرة، في أكثر الأزمنة قسوة، على أن تكون ملجأً لا حاجزًا. فهمت أن الحرب تستطيع أن تغيّر الأمكنة، لكنها تعجز عن اقتلاع ما ترسّخ في الذاكرة من محبة. هكذا نجونا… لا بالقوة، ولا بالانتصار، بل لأننا بقينا جيرانًا، رغم كل شيء.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...