الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نزاع السُّفيانيّ والعلويّ.. غنيمةٌ لا تنضب

خرج علينا رجلٌ يعتمر العِمامة البيضاء، وهو يقف أمام خريطة، يُحدد عليها مسار «السُّفيانيّ»، حسب الكتب الخاصة بظهور المهدي المنتظر، يقابل هذا المشهد هتافات علت وسط دّمشق: «بكرية عمرية أمويَّة»! خطاب لا يدر على العراقيين والسُّوريين سوى القتل والجهل!
 عاد اسم «السّفيانيّ» إلى الواجهة، لاختصار السّياسة بنزاع العلويين والأمويين، قبل (14 قرناً) بينما أولادهما وأحفادهما اعتبروه ماضياً قد ولى، فالمهدي، والممهد له اليماني، علويان، بالنَّسب والانتماء، والسُّفيانيّ مِن آل أبي سُفيان الأمويّ، ويظل النّزاع (الأبديّ) جارياً بينهما، دون الاكتراث بأن ابنة أبي سفيان أُمُّ حبيبة رملة، كانت ومازالت أمَّ المؤمنين (ابن سعد، الطبقات الكبرى)، وأن عليَّ الأكبر بن الحُسين (قُتلا: 61هج) أمه ليلى، حفيدة أبي سفيان، فأشير إليه بعلوي العمومة، وأموي الخؤولة (القُميّ، منتهى الآمال).
 بالمقابل، تزوجت فاطمة بنت الحُسين، بعد ابن عمها الحسن المثنى العلويّ، حفيد عثمان بن عفان الأموي، فولد أخٌ أموي لآل الحسن العلويين (الزبيريّ، نسب قُريش). القصد لم يكن هناك سفياني يُهدد المستقبل، مثلما خرج علينا أمين «الدّعوة الإسلاميَّة» مُتوكّئاً على هذا الماضي، فلو تركه ليس له ما يُحشد الجمهور.
وقف المعمم، يحدد مسار رؤية أمين الدّعوة بإقليم شيعيّ، في أنّ السُّفياني سيدخل بغداد مِن الشَّام، متناسياً أنّ شاحنات متفجرات دخلت أمام ناظره منها، مثل صناديق حلوى عنده، تكلم ضدها ليومين وقلب الرِّداء مدافعاً عن مُرسليها، بينما كانت تهز بغداد على مدار الأسبوع، فبدل الخطاب ليصرخ: أتيناك يا بيروت، أتيناكِ يا دَمشق، أتيناكِ يا صنعاء، والمؤتمرون برئاسة مستشار الولي الفقيه يردون: أتيناكِ يا بغداد! ولم يأتِ بغداد سوى الخُرافة والاغتيال والخطف، فضاق أهلها بهول ما يواجهون ويعانون.

حسب الكتب الخاصة بالمنتظر، يسبق ظهوره السُّفيانيّ، وكانت المفاجأة، خروج رجلٍ كان مختلط النسب علويَّاً وأمويَّاً، اعتبروه السّفيانيّ، وهو عليّ بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأمه نفيسة حفيدة العباس بن عليّ بن أبي طالب، لقبه «العُميطر»(ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق). بويع بدَمشق ضد العباسيين، في عهد عبد الله المأمون(ت: 218 هج)، كان هدفه مشتركاً أمويَّاً وعلويَّاً، ثم انحسر مختفياً(195-199هج).
أُهملَ السّفيانيّ هذا، ففيه ما يخالف منطقهم، واليوم يهددون بسفيانيّ، بعد الذي حصل بسوريا، والسّفيانيّ المهدد به، قد يكون «بعثياً» سُنيّاً، أو «بعثيّاً» علويّاً، فذاك يُحسب بحساب منطق الممهد للظهور، فيجري الخسف المعروف في الآثار، مُثلت خرافته في أكثر مِن زمان، فلا خسوف بيداء، ولا النَّفس الزَّكية يعود، ولا علامة مِن العلامات تحققت.
غاب المنطق، فما تحاوله الدّولتان، العراقيّة والسُّوريَّة، التعامل بالواقع، تفسده الجماعات بهتافها وسلاحها، جماعات يمثلها أمين «الدّعوة» في خطابه المأزوم، وقد تخيل نفسه «طالب الثَّارات» المختار الثّقفي(قُتل: 67هج)، وغيره الخصم عبيد الله بن زياد(قُتل: 67هج)، يقابله خطاب الدَّواعش، الذين يريدونها «طالبان»، والطائفية قاسمهما المشترك.
هدد المعمم بسفياني «الدَّعوة الإسلاميَّة»، أنه قادم من «قرغيزيا»، سيطرق دمشق، ويحتل ما يمر به مِن بلدان وأراضين، ويُستقبل من قِبل غرب العراق(السُّنيّ)، ويدخلون معه لاحتلال النّجف، وبغداد، وحسب المعمم سيحكم لأيام، ثم يقوم اليماني، وجيشه مِن الميليشيات الولائيَّة، ويطرد السفيانيّ، كي يمهدها للمهدي المنتظر، فانظروا حجم المأساة والملهاة في وقت واحد!
هذا الخطاب المشروخ، لكثرة طرحه، يخطف مِن أهل العراق العقل، ويجعلهم أمام جهل، يُحار باختراقه، فإذا كان هناك سفيانيّ حقّاً، فأصحاب هذا الخطاب هم (السفياني) بعظمه ولحمه، وللأمير عبد الله بن المعتز العباسيّ(قُتل: 296هج)، ما يُنشد: «قد عضَّني صَرْفُ النّوائبْ/ ورأيتُ آمالى كواذب/ والشّمْسُ تأكُلُ ظلّها/ أكلَّ اللّظَى عيدانَ حاطبْ»(الصُّولي، أشعار أولاد الخلفاء)، فالخُرافة حين تَضرب أطنابها تُحيل الآمال كواذبَ.
 *كاتب عراقي

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...