
تنشر الشراع هذا الرأي للكاتب د صلاح ابو شقرا محتفظة بحق الرد المتوقع من قيادات ومثقفين من سورية وبلاد عربية اخرى
تستقبل “روج آفا”[1] عيد النوروز هذه السنة و هي منتظرة من “القدر الجديد” الآتي من غياهب التاريخ ، و المثقل بآلام نصف قرن من حكم “القدر القديم” ، أن ينظر بعقلانية و حكمة استثنائية لمعالجة قضايا الوطن السوري الجريح ، المقطع الأوصال، الأشبه بالرجل المريض ، و الذي تنتظره العثمانية الجديدة لتفترس حلبه الشهباء ، و “إسرائيل” لتتصل بفراته عبر “ممر داود” ، الذي يحتم قضم المحافظات الجنوبية، السويداء ، درعا ، و القنيطرة ، و ذلك بعد سيطرتهم على المنطقة المنزوعة السلاح ، و احتلالهم للقرى و المرتفعات السورية لجبل الشيخ .
إذن ذلك “القدر القديم” ، الذي شكل واحداً من الأنظمة الكلية ، ذات الأيديولوجيا الراديكالية الشائعة في زمنه ، و التي كانت تظهر الوجه العلماني – التقدمي ، و تبطن الطائفية – العائلية ، التي استولت على مقدرات البلاد ، و ليس هنا المكان المناسب لتقييمها ، و لكن لسرد الواقع الكردي في الشمال ، و الشمال الشرقي ، من محافظة الحسكة ، و مناطقها ، إلى كوباني ، ثم عفرين ، وصولاً إلى أحياء تل مقصود و الأشرفية في مدينة حلب ، حيث كان من المتعذر معرفة إن كان الكثير من الكرد في تلك المناطق هم مواطنون سوريون ، أم رعايا لدول أخرى ، أم مكتومي القيد ، أم أنهم في وضع “جنسية قيد الدرس” . فقد بدأ مسلسل القهر بحقهم مع تسلم “البعثيين” للسلطة سنة 1962 ، عندما تم تجريد نحو مائتي ألف مواطن كردي من جنسياتهم السورية ، و تسجيلهم بصفتهم أجانب . ثم تجريد نحو ثمانين ألفاً آخرين من جنسياتهم ، مما أوجد حالة قيد جديدة و هي مكتومي القيد . و لم تكن هذه “إنجازات” القدر القديم بحق الكرد فحسب ، بل بلغت سياسة التعريب حد تغيير أسماء المدن و البلدات و القرى الكردية إلى العربية ، على سبيل المثال لا الحصر، قامشلو إلى القامشلي ، كوباني إلى عين عرب ، إفرين إلى عفرين ، تل كوجر إلى اليعربية، ديريك إلى المالكية ، و تربسبييه[2] إلى القحطانية ، فضلاً عن العديد من البلدات و القرى الأخرى . هذا إلى جانب منع الإصدارات باللغة الكردية ، عدا عن منعهم من تسجيل أسماء المولودين الجدد بأسماء كردية ، بل فرضوا عليهم الأسماء العربية . أما الإجراءات التي لم تقل خطراً على الكرد في سوريا هي سياسة الحزام العربي ، الذي اعتمد في بداية السبعينات ، و الذي امتد على مسافة 375 كلم على طول الحدود السورية – التركية ، و بعمق يتراوح بين 10 و 15 كلم ، و قد أدى إلى تهجير ما قدرته بعض المصادر بنحو مائة و عشرين ألف مواطناً كردياً من نحو 332 بلدة و قرية واقعة ضمنه ، و إحلال العشائر العربية مكانهم .
و في السياق عينه ، لم تقتصر معاناة الكرد على ما تقدم ، بل لقد تعمد ذلك “القدر القديم” على الإيقاع بينهم و بين جيرانهم من العشائر العربية على قاعدة “فرق تسد” ، و التي بلغت حد النزاع الدموي سنة 2004 في أعقاب مباراة في كرة القدم بين ناديي الجهاد من مدينة قامشلو و الفتوة من مدينة دير الزور، و قد أشعل تحامل السلطات على الكرد آنئذ إنتفاضة قامشلو، و التي قمعت بوحشية فائقة .
أما بالنسبة للقدر الجديد ، فتواجهه الكثير من الأزمات الجيوبوليتيكية ، و المطامع الإقليمية ، فإن انبرى لمواجهة كل منها بمسؤولية ، بالإستفادة التامة من خبرات كل الحقبات السالفة الذكر، يكون قد بدأ ببناء دولة عصرية قائمة على العلمانية و اللامركزية الموسعة ، و ذلك ابتداءً من الشمال ، عبر الإعتراف بالحقوق الثقافية و الاجتماعية و السياسية للكرد ، و من خلال تعميم تجربة “مجلس سوريا الديموقراطية” على كل سوريا ، و هو الإطار الذي تمكن من إدارة ثلث الأراضي السورية ، جامعاً الإثنيات و المذاهب و الطوائف ، المختلفة من الكرد ، السريان ، الأشوريين ، الكلدان ، و حتى التركيبات العشائرية العربية ، إضافة إلى بعض التركمان، و هم يتقاسمون السلطة بتفاهم تام و عدالة و ديموقراطية .
و مع نهاية قدر و إطلالة قدر جديد تبقى الدولة العلمانية الديموقراطية اللامركزية السبيل الوحيد لحماية روج آفا و سائر المناطق و المكونات الإجتماعية السورية من خلال قطع الطريق على تقسيم البلاد إلى دويلات إثنية – طائفية متناحرة ، و تعزيز الثقة بالحكومة المركزية و حماية البلاد من الأطماع التركية شمالاً و الإسرائيلية جنوباً .
[1] روج آفا : منطقة غرب كردستان باللغة الكردية ، و يستخدمها الكرد حالياً لتعريف مناطق الإدارة الذاتية لشمال و شمال شرق سوريا .
[2] مصطلح كردي يعني “القبور البيض” باللغة العربية .