
تحية تقديرٍ وإجلال، تحية وفاءٍ وعرفان، تحية تعكس مشاعر الاحترام والإكبار لشخصيةٍ فذّةٍ ،حملت لواء الفكر والقانون والأدب، فكان لها في كل ميدانٍ بصمةٌ لا تُمحى، وسجلٌ مشرّفٌ من العطاء والإنجازات.
إنه لمن دواعي الاعتزاز والسرور أن نتكلم عن مناسبة جليلة أقامتها الحركة الثقافيَّة-أنطلياس تمَّ فيها تكريم شخصيةٍ وطنيةٍ بارزة، وقامةٍ فكريةٍ وقانونيةٍ وأدبيةٍ مميّزة، رجلٌ نذر حياته لخدمة وطنه وأمته، وأثرى الفكر القانوني والسياسي والأدبي بمواقفه الرصينة، وكلماته العميقة، وإسهاماته الجليلة. إنه معالي الوزير، نقيب المحامين، والشاعر والمفكر الكبير الأستاذ “رشيد درباس”، الذي مثّل على الدوام نموذجًا فريدًا لرجل الدولة الملتزم، والمثقف الواعي، والمفكر المستنير، والمحامي الذي يحمل رسالة العدل والحق على عاتقه، والأديب الذي تنساب كلماته رقياً وبلاغةً، فتصل إلى القلوب والعقول معًا. ولا عجبَ في ذلك فقد نهلنا معاً من معين حركة القوميّين العرب وهُوَ المُتدرّج في مكتب المغفور لهُ المُحامي “رشيد فهمي كرامي” الذي كان أحد قياديّي الحركة في طرابلس، وتجَّذرَت فيه الرّوح الوطنيّة والقوميّة والإنسانيَّة.
لقد جاء هذا التكريم ليكون بمثابة إشادةٍ بمسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء والتفاني، واعترافًا بجهود معاليه التي امتدت عبر سنواتٍ طويلة، كانت مليئةً بالإنجازات، التي لم تقتصر على ساحة القضاء والمحاماة، بل امتدت إلى مختلف ميادين الفكر والسياسة والأدب، ليترك بصمةً خالدةً في كل مجالٍ طرق بابه. فقد كان مثالًا في الحكمة والتروي، ورمزًا للالتزام الأخلاقي والوطني، ومنارةً ساطعةً في عالم القانون والعدالة والمحاماة اللّبنانيَّة والعربيَّة.
وكانت لمواقف معالي النقيب في إجتماعات المكتب الدائم لإتحاد المحامين العرب الأثر الواضح في مُقرّراته وتوصياته على المستويين اللّبنانيّ والعربيّ.
أودّ الإشارة في هذه المناسبة بأنّ معاليه كان أوّلُ من وقّعَ على توصية ترشيحي لمنصب الأمين العام لإتحاد المحامين العرب التي وقّعها نُقباء المُحامين في بيروت وطرابلس فكان نجاحي كأوّل لبنانيّ في هذا المنصب وكان الفوزُ بالتزكيَة.
إن تكريم معالي الأستاذ رشيد درباس ليس تكريمًا لشخصه الكريم فقط، وإنما هو تكريمٌ لمسيرةٍ حافلةٍ بالنضال من أجل الحق، والعمل الدؤوب لترسيخ سيادة القانون، وإعلاء شأن العدالة، وتعزيز الثقافة القانونية والفكرية في المجتمع. فهو ممن حملوا همّ الوطن في قلوبهم، وعبروا عنه بالكلمة والموقف، وكانوا على الدوام منحازين إلى القيم النبيلة والمبادئ السامية.
لقد عرفناه محاميًا بارعًا، نقيبًا متميزًا، وزيرًا ناجحًا، وقبل كل شيء مثقفًا حقيقيًا، يملك من أدوات الفكر واللغة ما جعله قادرًا على التعبير عن القضايا الوطنية والإنسانية بأسلوبٍ بليغٍ ومؤثر، جامعًا بين دقة القانونيّ وشفافيّة الأديب. فهو لم يكن مجرد رجل قانونٍ يتعامل مع النصوص، بل هو صاحب رؤيةٍ قانونيةٍ إنسانيةٍ تسعى دائمًا إلى جعل العدالة أقرب إلى الناس، وأكثر قدرةً على تحقيق الإنصاف وحماية الحقوق والحريات.
وإذا كان القانون هو ميزان العدل في المجتمع، فإن معالي النقيب هو أحد الذين عملوا جاهدين للحفاظ على توازنه، وضمان عدم ميله إلا لصالح الحق والعدالة. فقد آمن بأن القانون ليس مجرد نصوصٍ جامدة، بل هو روحٌ نابضةٌ تستمد قوتها من القيم الأخلاقية والإنسانية، وهو الأداة التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، كانت له إسهاماتٌ كبيرةٌ في تطوير الفكر القانوني، وإغناء المكتبة القانونية والأدبيَّة بأفكاره وتحليلاته العميقة.
إن الحديث عن معالي النقيب لا يقتصر على الجانب القانونيّ والسياسيّ فقط، بل يمتدُّ إلى عالم الأدب والفكر، حيث أبدع كاتبًا وشاعرًا ومفكرًا، فكان قلمه أداةً تنبض بالحكمة والرؤية الثاقبة، وكان صوته صوت المثقف الذي يرفض الجمود، ويدعو دائمًا إلى التجديد والارتقاء بالفكر العربي إلى آفاقٍ أوسع. فكم من مقالةٍ كتبها، وكم من خطابٍ ألقاه، وكم من رأيٍ سديدٍ أدلى به، وكلها كانت تعبر عن شخصيةٍ استثنائية، تملك من الفطنة والحنكة والقدرة على التحليل والاستشراف ما جعلها محل تقديرٍ واحترامٍ واسع.
إن تكريمه في تلك المناسبة العزيزة لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل كان رسالةً تؤكد أن العطاء لا يضيع، وأن الجهود المخلصة تبقى محل تقدير، وأن الرجال العظماء يبقون في ذاكرة أوطانهم وأمتهم، بما قدموه من أعمالٍ خالدةٍ وإسهاماتٍ مؤثرةٍ.
فإننا نؤكد أن معالي النقيب سيبقى نموذجًا يُحتذى به في النزاهة، والالتزام، والفكر العميق، والعمل الجاد من أجل الوطن والإنسان. فالقيمُ التي حملها، والمبادئ التي دافع عنها، والمواقف التي سجلها، ستظل شاهدةً على مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء وستبقى مصدر إلهامٍ للأجيال القادمة.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نعبر عن امتناننا العميق وتقديرنا الكبير لهذا الرجل الذي يجسّد في شخصه معاني الحكمة والعدل والبلاغة، والذي كان ولا يزال مدرسةً قائمةً بذاتها في الفكر والسياسة والقانون والأدب.
كانت الشهادات التي استمعنا إليها خلال حفل التكريم على أعلى مستوى من التقدير والإعجاب. نبارك له هذا التكريم المستحق، ونتمنى له دوام الصحة والعافية، ليستمر في عطائه المتميز، ويبقى منارةً مضيئةً في سماء الفكر والعدالة.
* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب.
بيروت في 14/3/2025