في فلسطين المحتلة عام 1948 سكن بضعة آلاف من الموارنة في المدن العربية وفي قرى معدودة في قضاء صفد في الجليل الأعلى على مقربة من الحدود اللبنانية وكان عدد هؤلاء بحسب إحصائية عام 1922 بلغ 2382 نسمة أي 283 ,3% من مجمل السكان المسيحيين في فلسطين .
فور انتهاء العملية العسكرية الصهيونية المسماة ” حيرام ” في الجليل الأعلى تم إخلاء القرى المارونية الحدودية أيضاً ، من بين القرى التي أخليت : إقرت وكفربرعم والمنصورة وقرية الجش … وقد حظيت هذه القضية بتعاطف كبير وسط الجمهور الإسرائيلي بسبب العلاقات التي كانت قائمة خلال فترة الانتداب بين المشروع الاستيطاني الصهيوني وبين الطائفة المارونية في لبنان ، وبعد ذلك بسبب الكفاح المستمر لأهل تلك القرى للعودة الى قراهم منذ قيام الدولة اليهودية وحتى الآن لم يجد لهؤلاء السكان حل رغم طرح قضيتهم المستمر في المحافل الأمنية والسياسية والقضائية .
لا شك أن إخلاء هذه القرى حصل في إطار التعليمات الجارفة لقائد لواء كرمل الحدودي بإخلاء السكان العرب من المناطق الحدودية لاعتبارات أمنية ، وهل فعلاً كانت توجد حاجة أمنية ثابتة لإخلائها ؟ .. ثمة روايات متناقضة حول هذا الموضوع ، فالنقيب يعقوب مخرز في إفادته أمام محكمة العدل العليا الصهيونية في تشرين الثاني 1951 حول كفربرعم ، ادعى أن القرية استُخدمت في فترة الحرب مع الفلسطينيين محطة عبور مهمة جداً ” لجيش الإنقاذ العربي ” فقد أسهم سكان القرية راغبين في الجهد الحربي لهذا الجيش .
كما أن موظفين كبار من مؤيدي الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين كانوا يقيمون فيها ، وبحسب تقرير استخباراتي صهيوني فكان يوجد في قرية كفربرعم بتاريخ 16 تشرين الأول 1948 مخزن وقود تابع ” لجيش الإنقاذ ” كجزء من البنية التحتية التي كانت منتشرة في القرى المختلفة بما في ذلك القرى المارونية ، وبحسب القرير نفسه تموضعت سرية من جيش الإنقاذ في قرية ” إقرت ” ، وفي مقابل ذلك يقول محمد نمر الهواري وهو محام من الناصرة في إفادة موجهة الى رئيس الحكومة بتاريخ 17 آب 1951 أن قرية كفربرعم كانت حيادية خلال الحرب ولم تدخل إليها أية قوة أجنبية .
وأن أهل القرية لم يشاركوا في الحرب ، سكانها استقبلوا الجيش الإسرائيلي عندما دخل اليها في 30 تشرين الأول 1948 بالترحاب ، أما فيما يتعلق ” بإقرت ” فبحسب تقرير عسكري إن سكان القرية استقبلوا الجيش الإسرائيلي كجيش محرر ووفقاً للتقرير نفسه كان فيها قوة من الجيش العراقي مؤلفة من 120 جندياً ، وكانت تفرض على سكانها تخصيص أفراد للحراسة كما فرضت عليهم شراء 19 بندقية تم تسليمها الى الجيش الإسرائيلي مع دخوله القرية .
في 20 تشرين الثاني زار المنطقة وزير الأقليات الصهيوني ” شطريت ” الذي صرح بأن إخراج سكان القرى من البلاد كان خطأ وسمح لهم بالإقامة في قرية الجش بعضهم في بيوت المسلمين المهجورة لمدة 15 يوماً الى حين عودتهم الى قراهم ، ولكن وعد السماح بالعودة لم يتحقق ، وإنما بالعكس ففي 15 حزيران 1949 أبلغ الحراس الذين بقوا في القرية بضرورة مغادرتها وأسكن فيها مهاجرون جدد ، كما أبلغ سكان قرية الجيش المشمولة ضمن نطاق ال 5 كم بالرحيل أيضاً .
مناشدات شطريت واسحاق بن حورين لبن غوريون ، ومناشدة المطران مبارك وزارة الخارجية بشأن لاجئي كفربرعم لم تؤد الى إعادة السكان الموارنة الى قريتهم والى تغيير الحقائق التي نشأت على الأرض في أعقاب عملية حيرام بل بالعكس هذه الحقائق تكرست مع إقامة مستوطنات يهودية في القرى المارونية ومصادرة أراضيها لأجل الاستيطان اليهودي .. وأقيم على أرض كفربرعم كيبوتسان هما سعسع وبرعام .
كما أقيم موشاف دوفيف فيما تم توزيع معظم أراضي قرية إقرت بين موشافات غورن وإيفين مناحيم وشومرا ، اللفتة الوحيدة التي جرت في هذا الاطار عام 1949 كان الأمر الذي أصدره جوش فلامون مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية ، بالامتناع عن طرد المتسللين الموارنة من لبنان الذين يتحدرون من قرى الجش وكفربرعم والمنصورة وإبقاءهم في قرية الجش على أساس إفادة الكاهن المحلي ، الصعوبة التي واجهها أهل القرى المارونية الذين اقتلعوا من قراهم في تغيير الواقع الجديد الذي تشكل بعد حرب العربية الإسرائيلية الأولى وفي بداية الخمسينات تتجسد بشكل جيد في قضية كفربرعم .
في صيف 1949 اشترى الصندوق القومي من الحكومة الإسرائيلية جزءاً من أراضي القرية وحوّلها الى كيبوتس برعام ، وفي مطلع حزيران 1949 تم توطين يهود في بيوت القرية المهجورة الأمر الذي أدى الى الكثير من الشكاوي من قبل السكان الموارنة حول نهب أملاكهم التي بقيت في القرية ، في وقت لاحق أنشئ كيبوتس برعام على أراضي القرية بالقرب منها ، وقد تقدم سكان القرية بالتماس الى محكمة العدل العليا وحكمت المحكمة في 1951 بحقهم بالعودة الى بيوتهم ولم يحلا المشكلة ، في مطلع 1953 كانت قضية سكان القرية لا تزال مطروحة أمام المحكمة ، في 16 أيلول تم تفجير بيوت القرية من قبل الجيش الإسرائيلي وتدميرها بالكامل وهكذا لم تحل مشكلة أهالي ” كفربرعم ” و ” أقرت ” وجميع القرى الأخرى الذين خاضوا نضالاً عنيداً وحاداً من أجل إعادتهم لم تحل كذلك حتى اليوم .


