الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إيران بين الشارع والقبضة الحديديّة… تحذير من الاستغلال الخارجي وصمود الدولة

إيران اليوم تواجه لحظةً فاصلةً، لكنها لحظةٌ صعبة، لا تكشف عن سقوطٍ وشيكٍ للنظام، ولا عن انتصارٍ مطلقٍ للشارع. ما يحدث ليس انقلاباً سريعاً، ولا انتفاضةً غير محسوبة، بل اختبارٌ صارمٌ لإرادة الدولة، وللشعب، وللجهات التي تحاول استثمار الغضب الشعبيّ لتحقيق أهداف خارجية.

الشارع محتقنٌ، الغضب عارمٌ، والاحتجاجات مستمرة، لكنّ هذا الغضب وحده لا يفرض سيطرةً سياسيةً أو تغيّراً جذريّاً، ما لم يتوفر مشروعٌ واضح، قيادةٌ موحدة، وإرادة داخليّة تحسم المعركة. الدولة الإيرانية تعرف ذلك تماماً، وتعرف أيضاً كيف تستخدم أجهزة أمنها، وذكاءها الاستراتيجي، وصبرها الطويل لإعادة فرض النظام بالقوة، ولو كان ذلك على حساب الشرعيّة الرمزيّة، ولو كان ذلك بتأجيل لحظة الحسم.

أيّ تحرّك خارجيّ يحاول توجيه الشارع، أو تحويل الاحتجاجات إلى أداة للضغط على إيران، هو مقامرة كبيرة، قد تؤدي إلى انفجارٍ لا يحتمل أحد عواقبه. من يحاول أن يركب موجة الغضب لن ينجح في قلب المعادلة إلا إذا غاب صمود الدولة، وهذا غير وارد اليوم. السياسة الخارجيّة لا تملك عصاً سحريّة، والشارع وحده لا يستطيع هدم نظامٍ راسخٍ عقيدةً وأجهزةً وممارسةً.

الدولة قادرة على كسر الحراك، وقادرة على فرض الهدوء، وقادرة على إدارة التوتّر بحنكةٍ وحزمٍ لا يعرفه كثيرون، لكنها أيضاً تواجه تحدياً أخلاقياً وسياسياً: الحفاظ على شرعيّتها بين الداخل والخارج، وتأجيل الانفجار من دون حسمه. هذه الدولة تعرف أنّ أيّ ضعف أو تردد سيكون مكلفاً، وأنّ أيّ انتصار مؤقت للشارع المستغَلّ سيؤدي لاحقاً إلى تعزيز قبضة الدولة بالقوة.

نجل الشاه وخطاباته الإعلامية، ومحاولات الخارج لاستثمار الغضب، لا تشكّل تهديداً حقيقياً للنظام. العبرة ليست في الصراخ أو الموجة الإعلامية، بل في القدرة على تحويل الاحتجاجات إلى مشروعٍ سياسيٍّ فعليّ، وهو ما لم يتحقق. من يراهن على انهيار النظام اليوم يخطئ، ومن يظنّ أنّ الاستقرار هشّ يبالغ. الدولة صلبةٌ، والشارع يحتاج إلى استراتيجيةٍ حقيقية لا شعارات.

إيران، إذاً، لن تسقط غداً بيد المتظاهرين، ولن يفرض الخارج ما لا تستطيع الإرادة الوطنية منعه. النصر الممكن اليوم هو للقبضة الحديديّة، ولحماية الدولة، ولإدارة التوتّر بحكمة، لكن مع التحذير الواضح، كل محاولةٍ لتفجير الوضع من الخارج أو توجيه الشارع، مهما بدا سهلاً، ستصطدم بصخرة الدولة، وستدفع المنطقة إلى مرحلةٍ أخطر من أيّ تصعيد سابق.

ما يجري ليس نهاية النظام… بل بداية معركة أعصاب طويلة.
دولة تعرف كيف تبقى، وخصوم يعرفون كيف يُنهكون، لكنّ التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
وكلّ من يظنّ أنّ الحراك المستغَلّ أو الضغط الخارجي قادر على قلب المعادلة، عليه أن يعلم أنّ صمود الدولة وإرادة الشعب، وإن بدا صامتاً، أقوى من كل التهديدات.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...