لقد كان تاريخاً اسوداً لعائلة الأسد التي حكمت سوريا بالحديد والنار لمدة خمس وخمسين سنة ، بدأت القصة من الوحش الكبير ” حافظ علي سليمان الوحش ” الذي ولد في 6 تشرين الأول 1930 ، علوي نصيري تخرج من الكلية الجوية سنة 1955 وأصبح طيارا في سلاح الجو السوري ، لا يمكننا أن نروي تاريخ حافظ الوحش كله لأنه تاريخاً أسوداً بامتياز ، ولكن ما يهمنا أن نذكره هو : أنه بعد وصول خمسة ضباط من الطائفيين الى السلطة وهم بالإضافة الى حافظ الوحش الذي غيّر كنيته الى الأسد ، صلاح جديد ، ومحمد عمران وكان رئيسا للجنة ، وعبد الكريم الجندي ، واحمد المير .. الثلاثة الأول علويون والاثنين الأخيرين من الطائفة الإسماعيلية ، تلاقوا في القاهرة زمن الوحدة وأسسوا جمعية خاصة بهم هدفها الوصول الى السلطة في سوريا .
ولما قامت ثورة الثامن من آذار 1963 تمكنوا من السيطرة على الحكم من خلال تكاتفهم الطائفي وجمعيتهم السرية ، وذلك بعد تصفيات دموية وخلافات جرت بين الناصريين والبعثيين الذين تفردوا في السيطرة على البلاد ، ولاحقا بعد تسلمهم قيادات الجيش والحزب والدولة ما لبث أن دب الخلاف بينهم ، وأصبحوا يصفون بعضهم وكان النجاح لصلاح جديد القوي والمميز عن الجميع باستقامته ، فعين حافظ الأسد عام 1966 وزيراً للدفاع ، وفي سنة 1967 حصلت حرب 5 حزيران وهزم العرب ، وتخفيفا من وطأتها الكبيرة وآثارها السيئة سميت بالنكسة .
والذي حصل في تلك الحرب هو سقوط الجبهة السورية ، وكانت الضربة القاصمة إعلان سقوط مدينة القنيطرة عاصمة الجولان من قبل وزير الدفاع حافظ الأسد قبل سقوطها ، يذكر الدكتور محمود جامع أنه عندما ذهب مع الرئيس السادات الى سوريا سنة 1969 وهم في الطائرة ، قال له السادات : أنظر يا محمود كيف أن منطقة الجولان عالية ومرتفعة عن الأرض المحتلة ، ولا يمكن احتلالها إلا بالخيانة ، سأقول لك سر ولكن لا تذكره أمام أحد.. ” حافظ الأسد باع الجولان ب 100 مليون دولار ” أخذهم مع أخيه النقيب رفعت ورقم الشيك موجود مع الرئيس عبد الناصر .. وكان معروفاً من الجميع أن الجولان بيع لإسرائيل ، حتى أن صدام حسين قال في مؤتمر القمة العربي أمام جميع الزعماء العرب موجها كلامه لحافظ الأسد : أنت خائن وعميل وبعت الجولان من غير أن تضرب رصاصة واحدة .
جاء في كتاب سقوط الجولان للرائد السوري خليل مصطفى وكان رئيس المخابرات لمنطقة الجولان ، وبقي هناك كل أيام الحرب أن حافظ الأسد أعلن سقوط القنيطرة عاصمة الجولان ، قبل أن تطلق علينا في المدينة رصاصة واحدة وكانت الجبهة والجيش السوري صامدان وليسا في دائرة الخطر، ومع ذلك لم يحقق معه ولم يستقيل بعد الهزيمة المنكرة في تلك الحرب التي ما زالت ذيولها باقية حتى اليوم .
وفي العام 1970 وبعد قرار حزب البعث في القيادة القومية التي لها الكلمة الفصل في الحزب والدولة ، تنحية الأسد كونه فاشل وتسبب في خسارة سوريا الحرب ، استغل الفرصة وقام بانقلابه عل الجميع وقبض على كل قيادات الحزب والدولة وأودعهم السجن ، ثم وصل حافظ الأسد في 22 شباط العام 1971 الى رئاسة الجمهورية ، بعد ذلك صرف من الخدمة أغلب الضباط السنة ما عدا الموالين له ، واستبدلهم بالعلويين وأصبح الجيش كله ذا صبغة علوية رغم أن العلويين يشكلون 7% من الشعب السوري ، و85% من الشعب السوري من الطائفة السنية .
وبذلك أصبح رئيس الدولة علوي لأول مرة بتاريخ سوريا … بعد ذلك عين حافظ الأسد 173 عضو في مجلس الشعب لكي يضعوا له دستوراً مناسباً لشخصه ، فحول هذا الدستور الرئيس الأسد الى إله يحكم بلا حدود تقيده ، لدرجة أن البعثيين كانوا يهتفون ” حافظ الأسد الى الأبد ” ثم اطلقوا له حرية التشريع وسن القوانين دون الرجوع الى محلس الشعب ، فجعل من نفسه كل سوريا واختصرها بشخصه فالسلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية والمجالس العليا من جيش وداخلية واقتصاد وسياحة وكل السلطات جمعها بيده ، ومنع التعيينات في الدولة وجعلها محصورة في الحزبيين حتى لو كان مدير مدرسة ، وبذلك استطاع أن يسيطر على البلاد بكاملها وسلم القضايا المالية العائدة له الى محمد مخلوف شقيق زوجته أنيسة الذي احتكر كل الأعمال التجارية والاستيراد في البلاد وخاصة استيراد التبغ وغيرها من السلع الضرورية والهامة .
وفي سنة 1980 قامت محاولة لاغتيال حافظ الأسد فقام أخوه رفعت بإرسال عدد من الطوافات الحربية مليئة بالحرس الجمهوري وسرايا الدفاع ، فقتلوا 1200 سجين من الشباب الذين قبض عليهم في المساجد دون أي تهمة ودون محاكمات ، ثم أصدر حافظ الأسد قانونا يعدم بموجبه كل من ينتسب الى أي حزب إسلامي ، لدرجة أن أي متهم بالحزبية تقوم المخابرات بإنزاله من بيته وإعدامه بإطلاق النار عليه أمام منزله وأمام زوجته وأولاده ، وفي العام 1982 قامت عناصر معارضة وهاجمت كتيبة من الجيش وأعدمت 20 بعثي علوي ، فاستدعى حافظ الأسد أخيه رفعت وطلب منه وكان رئيساً لسرايا الدفاع ، ليس الدفاع عن الوطن إنما عملها محصورا بحماية النظام والمسؤولين البعثيين .
وقال له لا أريد معارضين أو إسلاميين في سوريا على الإطلاق ، فأرسل رفعت 12 ألف عسكري من السرايا وحاصروا مدينة حماة المتهمة بأنها ذات صبغة إسلامية ، وبقوا يقصفون المدينة ثلاث أسابيع متتالية فدمروا 35% من مدينة حماة وقتلوا 40 ألف مواطن فكانت إبادة جماعية لم يذكر التاريخ لها مثيلا .
يتبع في حلقة ثانية


